كتاب القافلة

   سلسلة الرسائل الإسلامية (1)

الرد على مؤلف كتاب

فصــــــل الخطــــــاب

في ارتداء الحجـــــــاب

 

قام بالرد:

أحمد رشدي العجمي

     

 

 

 

 

الاهداء:

 

إلى كل باحث عن الحقيقة......

 

وكل شاك أو مشكك فيها...

 

 

 

 

 

 

 

 

ملحوظة:

بدأ العمل في هذه الرسالة يوم 18صفر1417هـ، الموافق 4يوليو1996م

وانتهى يوم 1ربيع الثاني 1417هـ، الموافق 15 أغسطس 1996م

وتم تنقيحها وإعادة كتابتها في الفترة من6-28 ربيع الأول 1419هـ، 1-23 يوليو 1998م


المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

     بينما كنت في إحدى المكتبـات أتصفح بعض الكتب لفت نظري كتاب باسـم (فصل الخطاب في ارتـداء الحجــاب) للكاتب الكبير: إبراهيم عيسى، وقد اجتذبني عنوان هذا الكتاب لأنني مهتم أساساً بهذا الموضوع وأيضاً لأن موضوع الحجاب قد اختلف في كيفيته وطريقته – رغم إجماع العلماء على وجوبه – وقد كان ذلك من الأسباب التي جعلتني أهتم بالبحث حول وجوب النقاب، وحد الوجه والمسموح بكشفه من الزينة.....الخ، ولهذا فقد اشتريت الكتاب وقرأته، فإذا أنا أمام فكر غربي غريب لم أعتده فيما قرأت من كتب الدين والفقه.. إذ حاول المؤلف انتقاص قدر الحجــاب ومحاربة نشره بين الناس  متهماً كل من ترتدي الحجاب بأنها تنتمي إلى تنظيم متطرف، وكان أسلوب المؤلف في انتقاداته أسلوباً قاسياً بالإضافة إلى أنه اسـتخدم طرقــاً غيـر معقولة للإقناع، ولذا فلم أكد انتهي من قراءة الكتاب حتى عقدت العزم على كتابة رد على كل ما ورد به أحاول فيه تفنيد ما به من آراء لا أقرها ولا أقتنع بها   رغبة مني في إيضاح الحق وإجلائه.

     وأنا  إذ أعلن ذلك فلا يعني هذا أنني أحـاول منع الكتاب من النشر ولا يعني  أنني  أنصح بعدم   قراءة   هذا الكتاب بل على العكس فأنا أطلب من كل قارئ أن يشتري الكتاب ويقرأه مع هذا الرد كي يشاركني رأيي وأنا مستعد لتلقي أية انتقادات فنحن أولاً وأخيراً مجـرد بشر نخطئ ونصيب وإنما نقول مثلما يقول علماء الدين: رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب.

     نسأل الله أن يوفقنا لما فيه خيرنا ورضاه إنه نعم المولى ونعم النصير.


 

الرد على مؤلف كتاب فصل الخطاب في ارتداء الحجاب   يستهل إبراهيم عيسى كتابه ( فصل الخطاب في ارتداء الحجاب) مستنكراً على الشعب المصري الذي أسلم (كما يقول) عقله خلال عشرين سنة لأفغانستان وإيران وباكستان والسعودية، ويقول:كيف تحولت الوهابية من مذهب ديني متشدد ومرفوض إلى مذهب متبع في مصر .....وأرد على هذا الكلام باختصار كما يلي:

أولاً:الوهابية ليست مذهباً دينياً متشدداًً، وإذا كان المصريون قد رفضوها أيام محمد علي فذلك بسبب الخلاف السياسي إذ أن طموحات آل سعود الموالين للوهابيين قد تعارضت مع رغبة محمد علي في إخضاع الجزيرة العربية، ومحمد علي عندما ذهب يحارب آل سعود في جزيرة العرب لم يكن قصده كما يقول المؤلف هو أن ينقذ الجزيرة من عبث وتنطع وغوغائية الوهابيين، فمحمد علي لم يكن أساساً حاكماً دينياً ولم يكن خليفة الله في أرضه بل ولم يدَّع هو لنفسه الصلاح الديني حتَّى ننسبه إليه، وإنما ذهب محمد علي إلى هناك بغرض إخماد الحركة السياسية السعودية المعادية له والتي قام بها كل من آل سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد اشتد غضب محمد علي وأصر على القضاء على هذه الحركة خصوصاً بعدما استطاع السعوديون أن يستولوا على الحجاز، ويكفي أن تقرأ كتب التاريخ لتعرف أن الدين لم يكن قصد محمد علي، فما فعله بآل سعود وآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب من تنكيل بعد تمكنه منهم برغم أنه عاهدهم ألا يؤذيهم ما يدل على أن مصلحة محمد علي الشخصية كانت هي هدفه الأوحد.

ثانياً: لقد رفض الوهابيون وصول الكسوة المصرية بسبب الحرب القائمة، وكذلك رفضها السعوديون الحاليون بسبب الثروة البترولية التي أنعم الله بها عليهم، وليس تنطعاً وغوغائية منهم.

ثالثاُ: هل كانت حالة الجزيرة العربية قبل ظهور الوهابيين وعلى رأسهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب حالة مُرْضية ؟ لقد سمَّى البعض هذا العصر بعصر جاهلية الإسلام، إذ شاع التبرك بالقبور والإيمان بأن الله قد جعل للأولياء كرامات وغير ذلك من الأمور الشركية، بل هل كانت الحالة الدينية في مصر في هذه الأوقات حالة مُرْضية؟ ألم تنتشر عندنا نفس القبورية التي لم نستطع حتى الآن أن نقضي عليها تماماً كما فعل الوهابيون بجزيرة العرب؟ وحتى اليوم ما زال معظم الأميين وبعض المتعلمين يؤمنون بكرامـات الشيخ الفلاني والقبر العلاني والولي الفلتكاني، بل إنهم في الأرياف يحلفون بالبخاري حتى يومنا هذا.

رابعاً: الوهابية لم تختف من الوجود، فقد تبناها آل سعود على امتداد حكمهم سواء في عصر الدولة السعودية الأولى أو الثانية أو الثالثة (وهي ما تعرف حالياُ باسم:المملكة العربية السعودية) ولذا فأنا أعتقد أن في السب العلني للحركة الوهابية إساءة للعلاقات مع المملكة العربية السعودية التي تبنى حكامها منذ قرون فكر الوهابيين.

خامساً: الحركة الوهابية قد تكون فعلاً متشددة نوعاً في أحكامها الدينية ولكن ذلك ليس غوغائية وتطرفاً منهم، بل إن سبب ذلك التشدد النسبي هو اتباع الوهابيين للمذهب الحنبلي الذي عرف بالصعوبة والشدة في أحكام الدين واتقاء الشبهات، ولو أننا ادعينا أن الوهابيين متطرفون وغوغائيون ومتشددون فإن معنى ذلك هو أن الإمام أحمد بن حنبل تنطبق عليه أيضاً هذه الصفات، وحاشا لله أن نتهم أحمد بن حنبل الذي كان له الفضل الأول بعد الله في حفظ الدين والتصدي لفتنة خلق القرآن وغيرها من الفتن أن نطلق عليه هذه الاتهامات الخسيسة، لقد كان فكر أحمد بن حنبل هو أن ترك المباح المشكوك فيه خير من الوقوع في معصية مشكوك فيها وهو ما تسير عليه الوهابية حتى يومنا هذا، وهو بالمناسبة رأي قد يكون هو الرأي الأفضل في كثير من الأمور.

سادساً: لم يقلد المصريون السعوديين، فالسعوديون قد تعارفوا على وجوب النقاب للمرأة (حسب الفقه الحنبلي) مع أن نسبة المنقبات في مصر ضئيلة للغاية.

سابعاً: إذا كنت أؤيد المؤلف إبراهيم عيسى في الاعتراض على أولئك الذين قلدوا لباس الأفغانستانيين أو الباكستانيين واقتدوا بها شكلاً فإنني أقرر هنا أن الإسلام قد فرض على كل من الرجل والمرأة تغطية أجزاء محددة من الجسم ولكنه ترك وسيلة التغطية لظروف العصر والعرف، بمعنى أن أي لباس يغطي عورات المرأة يكون حجاباً إسلامياً بغض النظر عن نوعه (تايير أوروبي-جلباب مصري-خمار إيراني-عباءة هندية.....الخ) المهم هو ما يغطي جسم المرأة ويكون شكله مقبولا غير شاذ.

   ثم ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى محاولة سافرة لإثارة عواطف القارئ لكي يتفهم موقفه ويقتنع به..فيقول لو أردت لعني فاقرأني أولاً وأقول له إننا لا نلعن مسلماً مهما كان ما لم يصدر عنه ما يكفره بإجماع العلماء، ونحن نرحب بالفكر الحر أياًكان، ولكننا مستعدون للرد الهادئ مع ذلك.

   ثم ينتقل الكاتب إلى كلمة (حجاب) فيأتي بمجموعة من الآيات والأحاديث والآثار فيها كلمة حجاب بمعنى الستر أو الحاجز أو الفاصل ويستدل من هذه الآيات على عدم ورود كلمة الحجاب بمعناها الحالي في القرآن الكريم، كما يدعي أن من يطالب بالحجاب يخفي المعنى الحقيقي وهو حجز المرأة ومنعها عن الاختلاط بالأجانب، والرد على هذا الكلام يكون كما يلي:

أولاً: اللغة تتطور باستمرار، وإذا كان القدماء لم يعرفوا كلمة الحجاب بمعناها الحالي على حين عرفناها نحن بهذا المعنى فلا بأس، ولا يغير ذلك من الأمر شيئاً، فلباس المرأة الساتر لعوراتها مفروض منذ ظهور الإسلام وبنص القرآن والسنة بغض النظر عن الاسم، فحتى لو أقررنا بأن الحجاب كلمة غير دقيقة فإن ذلك لا يعني أنه غير واجب.

   ويحضرني في هذا المقام بعض الأمثلة على تطـور اللغة، فالمثال الأول هو كلمة (قطة) التي يستعملها المصريون للدلالة على الحيوان المعروف بينما يشيع في السعودية اسم (بسة) فما رأيك أن كلمة (قطة) هي أساساً كلمة عربية أصلية منبعها من جزيرة العرب بينما كلمة (بسة) أصلها (بس) وهي كلمة هيروغليفية؟ أما المثال الثاني فهو كلمة (مُرَتَّب)، ما معنى هذه الكلمة في العربية القديمة؟ إنها اسم مفعول يدل على الشيء الموضوع على نسق وترتيب معين، بينما كلمة مرتب في عصرنا الحالي تدل على الأجرة الشهرية التي يتقاضاها الموظف نظير عمل، فهل يعقل أن يطالب أحدنا بعدم استخدام كلمة (مرتب) بهذا المعنى لأنها لم ترد بهذا المعنى في لغة يعرب بن قحطان؟ وهل لنا أن نقرر بطلان مبدأ المرتب الشهري كمبدأ من مبادئ المعاملات بين الناس لأنه لم يرد في القرآن ولا في السنة بهذا المعنى؟ وهل نقول مثلما قال البعض إن الإسلام حرَّم الخمر فقط وعليه فإن (البيرة) حلال وكذلك السجائر بل ووصل البعض إلى القول بأن الإسلام لم يحرم المخدرات.

ثانياً: الإسلام لم يفرض الحجز والحجب التام للمرأة ولكنه وضع ضوابط محددة للاختلاط تكفل حماية المرأة والشاب على وجه سواء، وهذه الضوابط التي اتفق عليها معظم علماء الفقه هي:

1. الحجاب بمعناه الحالي وهو الملبس الذي يغطي جسم المرأة ويكون محققاً لكافة شروط الزي الشرعي.

2. عدم الملامسة بين الرجل والمرأة ولو بالمصافحة (وإن كان البعض قد أباح المصافحة).

3. عدم الخضوع بالقول أو ما يسمى حالياً(بالميوعة).

4. عدم الخلوة.

   فإذا قامت المسلمة بهذا فإنه يمكنها أن تخرج من بيتها للمدرسة أو الجامعة أو العمل أو...أما الحجاب بمعنى الحجز والمنع المطلق فهو واجب فقط على أمهات المؤمنين، فهن مأمورات بالبقاء في البيوت لقول الله تعالى{وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}، ولكن إذا أرادت البنت ألا تخرج من بيتها اقتداء بأمهات المؤمنين فلن يستطيع أحد على إرغامها على فعل العكس، بل إن بعض علماء الدين يرون أنه إذا كان الله قد أمر أمهات المؤمنين ببعض الأوامر في سورة الأحزاب وهن على ما هن عليه من التقوى والفضيلة، ومع أن أحداً من المسلمين لم يكن ليجرؤ على النظر-مجرد النظر- إلى أي منهن فإن معنى ذلك أن فرضية ما أمرت به أمهات المؤمنين تكون على غيرهن أولى، واستدل البعض على ذلك بأحاديث الرسول S التي يقول فيها أنه يستغفر الله في اليوم مائة مرة وقالوا إذا كان المغفور له يستغفر ربه في اليوم مائة مرة فما بالنا بنا نحن؟ و لكننا من الممكن أن ننظر إلى الآية من منظور آخر فنقول:حيث أن الله قد حرم أمهات المؤمنين على جميع رجال الأمة تحريماً أبدياً، فقد فرض الحجب والحجز التام لهن عن الأجانب اتقاء لأي شبهات وحفظاُ لهن من أي اتهامات قد يطلقها عليهن أعداء الدين الذين كانوا يتربصون بهن الدوائر (ومثال ذلك ما حدث في حادثة الإفك)، خصوصاً أن أي اتهام لأي منهن سوف ينتقص من الإسلام والمسلمين جميعاً وهو ما يستوجب حمايتهن من كل ذلك.

    كما يمكننا أن نقول إن المعنى المراد من القرار في البيوت ليس هو البقاء فيها 24ساعة في اليوم لمدة 365.25يوم في السنة وإنما يراد منه أن يكون البيت هو مكان المرأة الرئيسي الذي لا تخرج منه إلا لفائدة ومصلحة، أو أن يكون عمل المرأة الرئيسي في بيتها وهو ما ناقشناه طويلاً في إحدى رسائلنا والتي هي بعنوان (حوار مع متحضر)،كما يمكننا أن نفسر معنى كلمة (قرن) كما فسرها المؤلف نفسه بأنها من الوقار، وفي كل هذه الاحتمالات لتفسير الآية يكون من الواجب على كل المسلمات أن يقتدوا بأمهات المؤمنين، ولو أننا اعتبرنا كل أمر في القرآن وُجِّه لأمهات المؤمنين هو خاص بهن وكل أمر وُجِّه لرسول الله هو خاص به لضاع منا نصف الدين، ولو أننا دققنا النظر في الآيات الواردة في سورة الأحزاب تخاطب أمهات المؤمنين لوجـدنا أن الله يقول فيها {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً (31)يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ  اللَّهُ  لِيُذْهِبَ  عَنكُمُ  الرِّجْسَ  أَهْلَ  البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)} إن المعنى الواضح في هذه الآيات هو أن أمهات المؤمنين لهن وضع خاص في الثواب والعقاب حيث يضاعف لهن الثواب كما يضاعف لهن العقاب، ولكن ذلك لا يعني أن لهن وضعاً مختلفاً في التشريع، ومن هذا المنطلق فإن الله يقول لهن إن من يأت منكن (بفاحشة مبينة) يضاعف لها العذاب ولم يذكر ما المقصود بالفاحشة المبينة لأنها مذكورة في غير ذلك من آيات القرآن العامة لكل المسلمين والمسلمات، نعم إننا نقر أن بعض ما أمرت به أمهات المؤمنين كان خاصاً بهن مثل الحجاب (بمعناه القديم) والعزل عن الناس، ولكن ذلك لا يعني أن نتجاهل كل أمر وجه إليهن على اعتبار أنه خاص بهن والمرجع في ذلك كله هو استفتاء علماء الدين الذين يعرفون أي آيات الكتاب خاص وأيها عام، ودليلنا على صحة ما نقول أن الآيات نفسها قد قالت لأمهات المؤمنين {وأقمن الصلاة} بعد {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}، ولو قلنا إن القرار في البيوت وعدم التبرج هو خاص بأمهات المؤمنين فإن المنطق يقول إن الصلاة تكون أيضاً خاصة بأمهات المؤمنين، وبالتالي نكون قد خرجنا من أصل الدين، وأنكرنا معلوماً من الدين بالضرورة. أما ما يحاول الكاتب إيحاءه من أن كل سورة الأحزاب خاصة بالرسول صلى الله علية وسلم وزوجاته فهو أمر لا أساس له من الصحة، وإذا كان دليل الكاتب على ذلك هو أن سورة الأحزاب كانت في الأصل أكثر من مائتي آية نُسخ معظمها ولم يبق سوى 73 آية فلماذا إذن لم ينسخ الله باقي السورة؟ هل هو نسيان من الله أم أنه لم ينتبه إليه (وحاشا لله أن يكون كذلك فهو الذي لا يخفى عليه شيء ويحيط بكل شيء علماً)، إذا كان نسخ الآية من القرآن يعني انتهاء العمل بها فهذا يعني ببساطة أن ما تبقى من سورة الأحزاب من الأوامر لا تزال سارية التنفيذ حتى اليوم وإلى أن تقوم الساعة.

   وخلاصة القول أن الحجاب بمعنى الحجب والعزل كان خاصاُ بأمهات المؤمنين، وهو جائز لغيرهن، وقد يكون واجباً إذا اقتضت الضرورة، أما الحجاب بمعنى الزي الشرعي فهو واجب على كل مسلمة بالغة، وفي كل الأحوال يجب على المسلمات أن يتعففن وينأين بأنفسهن عن كل ما يدنس شرفهن وعفتهن ويطمع فيهن ذوي القلوب المريضة.

   ثم بعد ذلك يتجه الكاتب إلى انتقاد كلام العلماء عن زي المرأة مقسماً كلامه إلى نقاط أرد عليها بنفس الترتيب كما يلي:

1. العلماء بشر وهذا كلام معروف لا جدال فيه، ولكن لا تنس أننا أيضاً بشر أقل منهم علماً في أمور الدين ، فلو أنك افترضت خطأهم في تفسير الدين فإن احتمال الخطأ عندك أكبر، ولنضرب مثالاً فنقول:إن الطبيب بشر ومن الممكن أن يخطئ فيقتل مريضه، و لكن هذا لا يعني أن نستغني عن مهنة الطب ونلجأ إلى علاج أنفسنا بأنفسنا، فالمتخصص في عمل أولى من غيره بالاستشارة في مجال تخصصه حتى مع إيماننا الكامل بأن احتمال خطئه وارد.

2. ما يقوله الكاتب من أن العلماء قد بدأو عصر التفسير والتدوين بعد عشرات السنين من وفاة رسول الله S وبعد وفاة صحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين فإن الرد على ما يقوله يتمثل في الحقيقة المعلومة لنا جميعاً وهي أن الإسلام في هذه الفترة كان ما يزال جديداً لم تدخله يد العبث بعد، كما أن قُرب عصر المفسرين والمدونين من عهد النبوة جعلهم يتمكنون من التحقق من صحة كل ما ورد من القرآن والسنة وشروحهما التي رويت عن الصحابة والتابعين، وإذا كان قصد الكاتب هو التشكيك في صحة ما تناقلته الأجيال الأولى من أمة الإسلام عن طريق الرواية الشفوية أو التشكيك في صحة تفسيرها فإن معنى ذلك هو التشكيك في صحة (صحيح البخاري) و (صحيح مسـلم) فقد كانت مصادرهما من الرواية الشفوية، وإذا لم نتيقن من صحة كتب الصحاح فإنه لن يبق لنا في الدين شيء نثق فيه.

3. يقول الكاتب إن علماءنا القدامى قد تأثروا في فتاواهم بعصرهم.

4. كما يقول أيضاً إن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان.

5. ويقول إن من تحقير التطور الإنساني أن يقتصر اجتهادنا على فكر الأولين.

   والرد على هذه النقاط الثلاث هو أن الكاتب لم  يفهم معنى صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، فالإسلام صالح حقاً لكل زمان ومكان، ولكن هذا لا يعني أبداً أن يتغير الإسلام بتغير الزمان والمكان، ولا يعني أن يساير الإسلام ظروف المجتمع فإذا أراد المجتمع الحجاب كان الإسلام آمراً بلبس الحجاب، وإذا انتشر في المجتمع لبس المايوه كان الإسلام آمراً بلبس المايوه، كلا بالطبع، ولكن مفهوم صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان يعني أن الإسلام (بأحكامه وشرعه الذي نص عليه القرآن و أقرته السنَّة) صالح للتطبيق في كل زمان ومكان، وفي ذلك نجد أمير المؤمنين عمر يخبرنا أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، كما يقول S ناهياً عن الابتداع في الدين {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد} ويقول {كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار}.

   أما ما يقوله الكاتب في الفقرة الخامسة فإن الرد عليه هو أن الاجتهاد يكون فيما لم يرد فيه نص، وحيث ورد نص وجب اتباعه، واستثنى العلماء من ذلك بعض الحالات الخاصة التي يعطل فيها تطبيق النص إذا ترتب على تطبيقه ضرر أكبر من الضرر الناشئ عن عدم تطبيقه، ومثال ذلك ما روي عن العز بن عبد السلام حينما أمر بعدم تطبيق حد الخمر على قائد المغول المأسور لأن في سكر هذا القائد مصلحة المسلمين، إذ أنه وهو سكران لن يحاول الثورة على المسلمين بينما لو أننا منعناه من السكر فسوف يبقى عقله يقظاً مما قد يضر المسلمين، وهذا مثال بعيد كل البعد عن الحجاب، فالحجاب واجب شرعي لا ضرر أبداً من تنفيذه بل على العكس إن فيه مصلحة للمسلمة ومصلحة للأمة كلها.

6. يقول الكاتب إن العلماء قد اختلفوا في تفسير القرآن بعد ظهور الفتنة وتعدد المذاهب ونحن نؤيده في ذلك، ولكننا نرد بأن المذاهب الضالة معروفة والمذهب الصحيح معروف، فرسول الله قد تنبأ أن أمة الإسلام سوف تنقسم إلى ثلاث وسبعين فرقة جميعها في النار ما عدا واحدة هي المتمسكة بسنته S بغير تحريف ولا ابتداع، وهي ما نأمل أن تكون فرقة أهل السنة والجماعة التي ننتمي إليها، أما الشيعة والخوارج والبهائيون والشوقيون وغيرهم فهي مذاهب منحرفة لا يجب علينا أن نتبع منها حرفاً واحداً، أما إذا كان قصد الكاتب من تعدد المذاهب هو وجود أئمة الفقه الأربعة فإنني أقول إن أئمة الفقه رغم اختلافهم في كيفية الحجاب فإن أحداً منهم لم يصرح بخلعه، وأئمة الفقه اتفقوا في الأصول واختلفوا في الفروع.

7. يقول الكاتب إن الأمر يسع الخلاف دون إدانة أو تكفير وهو أمر صحيح بل إن اختلاف الأئمة رحمة من الله ولكن مع اختلاف الأئمة كما ذكرنا سابقاً فإن أئمة الفقه من أهل السنة والجماعة لم يفت أحد منهم بجواز خلع الحجاب.

   ثم ينتقل الكاتب إلى تفسير الآيات التي تتعلق بملابس المرأة فيتعرض لآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ  ذَلِكَ  أَدْنَى  أَن  يُعْرَفْنَ  فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} الأحزاب (5)، وكانت معظم التفسيرات تنص على وجوب تغطية الوجه وبعضها سمح بكشف عين والبعض لم يسمح بذلك، ويقول الكاتب أن الغرض من إدناء الجلابيب هو أن تعرف الحرة من الأمة (أو تعرف المسلمة من غير المسلمة) في أثناء خروجها لقضاء حاجتها .

   ويدعي الكاتب أن الأمر قد انتفى في العصر الحالي لانتفاء الأسباب، وهي:

أولاً: انتفاء وجود إماء، ولكن الكاتب نسي أنه لا تزال ولن تزال هناك مسلمات وغير مسلمات فالغرض وهو التمييز بين المسلمة وغير المسلمة لم ينتف بعد.

ثانياً: عدم حاجة المرأة للخروج لقضاء حاجتها ولكن يا سيدي الكاتب لقد جدت أمور تخرج المرأة من بيتها غير قضاء الحاجة مثل التعليم والعمل والتسوق والذهاب للطبيب و....... إذن فالأمر لم ينتف رغم التغير التاريخي.

ثالثاً: تجاهل الكاتب بعض التفسيرات الأخرى للآية وهي أن الغرض من الحجاب هو التفريق بين العفيفة وغير العفيفة، ونحن نشاهد في زماننا هذا أن البنت الملتزمة في ملبسها وقولها وفعلها لا يمسها أحد بسوء إلا فيما ندر وحتى لو حدث فإن ذلك لن يتعدى مجرد المعاكسة القولية، أما من تخرج من بيتها بغير زي إسلامي فإنها عرضة أكثر للتعدي بالقول والفعل من الشباب الذي لا هم له سوى معاكسة البنات والتعدي عليهن، ولا تعني الآية بأي حال من الأحوال إباحة التعدي وإيذاء غير المحجبة ولكنها فقط تضع ضوابط الحماية للبنات المسلمات العفيفات.

 

  ثم ينتقل الكاتب إلى آية أخرى وهي قوله تعالى {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ  وَتُوبُوا  إِلَى  اللَّهِ  جَمِيعاً  أَيُّهَا  المُؤْمِنُونَ  لَعَلَّكُمْ  تُفْلِحُونَ  (31)  [النور  آية: (31)] } ويقول الكاتب إن إحصاء الأستاذ أبو شقة قد قال إن ثلاثة عشر عالماً قد قالوا إن الزينة التي يسمح بظهورها هي الوجه والكفين بينما قال ثلاثة آخرون إن الزينة المباحة هي الثياب فقط (مع النقاب الكامل) ونحن هنا نؤيد الكاتب ولا نجد شيئاً عليه..والشيخ الشعراوي يقول إن النقاب حرية شخصية للمرأة يمكنها ارتداؤه أو تركه إلا في حالة ما إذا كانت الفتاة شديدة الجمال بحيث أن وجهها الطبيعي قد يؤدي إلى الفتنة فإنه يلزمها النقاب حينئذٍ.

 

   ولكن الكاتب لم يرض أن نوافق طويلاً على كلامه فنجده سرعان ما يقول إن اختلاف العلماء يسمح بتأثير العصر على القضايا والمفاهيم المتحركة في ظل الفقه الإسلامي، وقضايا المعاملات والإجراءات وما يخص الشكل والزي وتفاصيل الدنيا، والرد على ما قاله المؤلف في هذا الموقف قد يحتاج إلى محاضرة لو أننا أسهبنا فيه ولكننا سنحاول الاختصار فنقول:

أولاً:إذا كان المؤلف يرى وجوب تكييف الإسلام لمتطلبات العصر فإن ذلك يعني وجوب خلع الحجاب لأن هذا هو السائد في هذا العصر، ويعني أيضاً إباحة العلاقات والشذوذ الجنسي الحر فهذا هو السائد في العالم كله من اليابان حتى أمريكا بل وفي بعض الدول الإسلامية..وهذا بالطبع أمر غير مقبول منطقاً وعقلاً، ثم إن الإسلام جاء أساساً ليثور على مفاسد العصر الذي ظهر فيه، وليضع الضوابط التي لو طبقها أتباعه ما ظهرت في مجتمعاتهم أية مفاسد أخرى، ولو أن الإسلام جاء ليساير ظروف عصره لما كان هناك معنى لظهوره من الأساس.

ثانياً: بالنسبة للمعاملات في الإسلام وما يتعلق بالبيع والشراء ومعاملات الناس الأخرى فقد وضع الإسلام لها ضوابط عامة ثم ترك التفاصيل حسب اتفاق الناس والأعراف العصرية ، ويتضح ذلك في قوله S{المسلمون على شروطهم}، ويجب أن نعلم تمام العلم أن الإسلام لم يترك في الحياة صغيرة ولا كبيرة إلا ووضع لها قانوناً ينظمها، فالإسلام ليس ديناً للآخرة فحسب وإنما هو دين للآخرة والدنيا معاً، ولو أننا طبقنا ما ذكرناه على الحجاب أو الزي الخاص بالمرأة لوجدنا أن الإسلام قد وضع الضوابط العامة له ثم ترك التفاصيل لظروف العصر، تماماً كغيره من أمور المعاملات وأحوال الدنيا، فقد حدد الإسلام ما يجب تغطيته وما لا يجب، وحدد مواصفات الزي، وحدد من يجب ارتداء الزي في وجودهم ومن لا يجب، كما وضع ضوابط أخرى للاختلاط، ولكنه لم يحدد شكل الزي ولا لونه ولا نوع قماشه .

   ثم يضرب الكاتب بعض الأمثلة التي يبرهن بها على صحة قوله بأن اختلاف العلماء يسمح بدور العصر في التأثير على القضايا والمفاهيم المتحركة، فيقول:إن الإسلام لم يحرم الرق ومع ذلك فمن غير المقبول حالياً أن يكون لدى أحدنا جواري وعبيد ليس لأن الإسلام يحرم ذلك وإنما بسبب القانون الدولي والعصر الرافض للعبودية، كذلك فإن السواك سنة سنها رسول الله ولكن هذا لا يمنع في عرنا الحديث أن يذهب من تؤلمه أسنانه إلى الطبيب فضلاً عن أنه في العهد النبوي لم تكن هناك معاجين أسنان حتى يرفضها أحد أو يفضل عليها السواك، وأرد على ذلك فيما يلي:

1. بالنسبة للمثال الأول وهو إباحة الإسلام للعبيد والجواري على حين يرفض العصر الحديث ذلك فإنه يجب أن نفهم ونعي أن الإسلام لم يأت مؤيداً لظاهرة الرق، بل جاء ليقيدها ويحجمها ووضع الضوابط التي تكفل على المدى البعيد انتهاء وود الرق أو على الأقل يضيق من نطاقها، فقد جاء الإسلام والرق ظاهرة مستفحلة في كل أنحاء الأرض ولم يكن ليمنعه منعاً باتاً حتى لا ينفر منه الناس خاصة وأن حياة الأغنياء كانت معتمدة اعتماداً كلياً على وجود العبيد والجواري ولو تم عتقهم فجأة لانهارت جوانب كثيرة في حياتهم، ويمكننا أن نتخيل (مع الفارق) حال دولة من دول الخليج إذا استغنت فجأة عن جميع العاملين فيها من الوافدين من الدول الأخرى، ولذا فإن الإسلام لم يحرم الرق وإنما نظمه وحجمه.

   فمن جهة الوسائل التي تستعمل للاسترقاق نرى أن الإسلام قد حرمها جميعاً ولم يبح منها سوى وسيلة واحدة هي الأسر في الحرب، واقتصر الأسر عند فتح بلدٍ ما على من كانوا في جبهة القتال من العدو وليس على كل رعايا البلدة كما كانت تفعل بعض الجيوش في فتوحاتها، وقد كان علماء الصحابة والتابعين يوقنون بأنه سوف يأتي يوم يظهر فيه الإسلام على الدين كله وعندها لا يكون هناك معنى للحروب ولا مبرر لها - سواء دفاع عن الإسلام أو نشر له في بلاد غير المسلمين - وعندها فإن الرق سوف يختفي من تلقاء نفسه.

   أما من جهة معاملة العبيد فقد أمر الإسلام بحسن معاملتهم وجعلهم إخوة في الدين إن كانوا مسلمين وإخوة في البشرية إن لم يكونوا كذلك، وجعل لهم كافة الحقوق التي للأحرار.

   ومن جهة الوسائل التي تستعمل لإنهاء الرق فقد فتح لها الإسلام كافة الأبواب على مصاريعها، فقد كان إعتاق الرقاب من أشهر الكفارات، وفي بعض الحالات كان إعتاق الرقبة هو الكفارة الرئيسية والتي لا تستبدل بما يليها إلا في حالة عدم القدرة إما بسبب الفقر أو بسبب عدم وجود أرقاء، كما أن إعتاق الرقاب كان من أكثر الأعمال التي تقرب إلى الله وفي ذلك يقول تعالى:  {فَلاَ اقْتَحَمَ العَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ  (12)  فَكُّ رَقَبَةٍ (13) }  [البلد آية:   (11 :13)]  وقد انبرى كثير من الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق يفكون الرقاب بشرائهم ثم عتقهم، كما أعطى الإسلام للعبد الحق الكامل في أن يكاتب مولاه أي أن يسترد حريته نظير قدر من المال يكسبه بعرق جبينه، قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ  اللَّهُ  مِن  فَضْلِه وَالَّذِينَ  يَبْتَغُونَ  الكِتَابَ  مِمَّا  مَلَكَتْ  أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوَهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ  مِنْ  بَعْدِ  إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ  رَّحِيم ٌ (33) [النور آية: (33)] } وقد كان العبد في الجاهلية يعتبر ملكاً لسيده هو وماله، كما حرَّم الإسلام بيع الأمة إذا استولدها مولاها، حتى إذا مات ردت إليها حريتها، وكانوا في الجاهلية يسترقون أبناءهم من الإماء، فأزال الإسلام ذلك، وجعلهم أحراراً كآبائهم.

2. أما بالنسبة للمثال الثاني وهو ما ذكره الكاتب من سنِّيَّة السواك وما يقوله من أنه في العصر الحديث قد ظهرت معاجين الأسنان وتطور طب الأسنان، والكاتب يقول بالنص أنه لم تكن على عهد رسول الله S معاجين أسنان ليفضل أحد عليها السواك..

   والآن تلقَّ المفاجأة يا سيدي.

   فقد ثبت علمياً أن السواك هو أفضل وسيلة لتنظيف الأسنان وإزالة التسوس... وظهرت معاجين أسنان كثيرة من كل أنحاء العالم تحتوي على خلاصة السواك، وقد أعلن عن أحد هذه المعاجين في التليفزيون المصري وقيل عنه أنه معجون أسنان ذو خبرة أربعة عشر قرناً في مجال تنظيف الأسنان، بل إنه ثبت أيضاً أن السواك العادي أفضل من معاجين السواك لما قد تسببه فرشاة الأسـنان من أضرار لا يسببها السواك…

   هذا شيء..

   الشيء الآخر هو ما حاوله الكاتب من خلط للأوراق، فما هو دخل تنظيف الأسنان بطب الأسنان؟ ولو أننا فرضنا أن رجلاً قال للنبي S أن سنه تؤلمه فإن الرسول S لم يكن ليأمره بالسواك ولكنه كان سوف ينصحه باستشارة أهل العلم في طريقة العلاج، والرسول S كان يأخذ بالأسباب ويذهب للطبيب.

   وحتى لو افترضنا ظهور بدائل أفضل من السواك، فإن ذلك لا ينفي الأمر النبوي بتنظيف الأسنان، فالإسلام كما قلنا سابقاً يحدد الضوابط العامة للأمور الدنيوية ثم يترك التفاصيل لظروف العصر، وإذا أردنا تطبيق ذلك على الحجاب فإننا سوف نستنتج بقاء الأمر بالحجاب مع ترك نوع الملبس ولونه وشكله لظروف العصر وليس لنا بحال من الأحوال أن نستبدل الزي الإسلامي بغيره لتغير ظروف العصر.

   إذا كان الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة والكاتب لا يستحي أن يضرب هذه الأمثلة فإننا لا نستحي أن نفند هذه الأمثلة.

3. حتى لو افترضنا جدلاً أن الإسلام أباح الرق وأمر بالسواك على حين يرفضهما العصر بسبب انتفاء سبب السواك بظهور بدائل له، وانتفاء قابلية الناس لفكرة الرق، فهل يطبق ذلك على الحجاب بأي حال من الأحوال؟

   إن سبب الحجاب هو اتقاء الفتنة، وبالتالي لا يسقط الحجاب إلا باختفاء الفتنة، فهل اختفت الفتنة؟ وهل أغلق الناس أبواب الشهوة وصاروا ملائكة تمشي على الأرض؟ على العكس تماماً، فقد زادت أبواب الشهوة وتعددت الفتن وربما يصير وجوب الحجاب في هذه الظروف أكبر مما مضى.

 

   بعد ذلك يدعونا الكاتب إلى ما أسماه بالسباحة في بحر التفسيرات، وسوف نرد على ما ذكره بنفس ترتيبه كالتالي:

1. نحن نؤيد الكاتب بعدم أخذه بالرأي القائل بأن الزي الشرعي للمرأة يجب أن يغطي الجسم كله ما عدا عيناً واحدة، ولكننا نأخذ عليه وصف علماء أجلاء بالتنطع والمغالاة.

2. الرأي الثاني هو النقاب وألا تظهر إلا العينان وأن الزينة هي مجرد لبس الثياب ولم يأخذ الكاتب ذلك الرأي أيضاً وأنا أؤيده في هذا الرفض وإن كنت آخذ عليه مأخذاً وهو قوله معترضاً على أصحاب هذا الرأي: (وماذا لو أرادت المرأة ألا تتزين؟ هل تتوقف عن ارتداء الزي أم تختار قماش من نوع رديء أم ماذا بالضبط؟) والجواب أن الله يقول في الآية: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَاوقد احتج أصحاب هذا الرأي بأن القرآن أقر أن الزينة سوف تظهر دون رغبة المرأة وأن هذا القدر من الزينة هو ما لا يمكن الاستغناء عنه، ثم من الذي قال إن الله يريد من نسائنا أن يرتدين قماشاً من نوع رديء ؟ ألم نسمع قوله S الذي يخبرنا فيه بأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وأن الله جميل يحب الجمال؟

3. الرأي الثالث هو أن ما يظهر من المرأة هو الوجه والكفان وأن بعض الفقهاء قد أباح أيضاً الخضاب (الحنة ) والخواتم و أحياناً الخلخال، وفي بعض الروايات طلاء الأظافر مما يسمح كذلك بأحمر الشفاه في بعض الرؤى حيث لم يكن معروفاً قديماً حتى يحرم أو يحلل..كما يذكر المؤلف أن بعض الروايات قد رجحت أن ما يظهر من المرأة هو الوجه والذراعان.. و يعترض الكاتب على تحريم البعض لظهور الشعر مع إباحتهم للتزين في الوجه باستخدام المساحيق وأدوات المكياج ويقول بالنص: (هل الفتنة هنا في مفهوم هؤلاء مقصورة على الشعر فقط دون إغواء العيون المكحلة أو الشفاه المحمرة أو الخلخال الرنان؟) ونحن هنا نؤيد الكاتب ولا نجد شيئاً عليه مع العلم أن نسبة من أباح هذه الأمور من علماء المسلمين هي نسبة ضئيلة وليس لنا أن نتبع رأي الأقلية رغبةً عن رأي الأغلبية في مثل هذه الأمور الاجتهادية، ثم إن العقل والمنطق يرفض رأي هؤلاء القلة، وقد روي عن أحد السلف أنه قال: لو أخذت عن كل عالم هفوته اجتمعت فيك ذنوب الأرض، ومع ذلك ليس لنا أن نعيب هؤلاء العلماء الأجلاء فقد اجتهدوا والمجتهد له أجران إن أصاب وأجر واحد إن أخطأ.

4. الرأي الرابع هو أن نعتبر أن هذه الآيات قد وجهت لعموم الاحتشام وأن ما كان مقصوداً منها فقط هو بعض التعديلات في الزي أثناء الفترة التاريخية الأولى للإسلام، وأنها ارتبطت بوقتها من حيث ضرب الخمار على الصدور، فقد كانت أزياء ما قبل الإسلام من عصور الجاهلية تكشف عن صدر المرأة، فجاء القرآن ليعدل من زي المرأة كي يميز المرأة الحرة من الأمة أو المسلمة من غير المسلمة.

والواقع أن ذلك الرأي رأي جميل يخرج الآيات الكريمة من ألفاظها المحدودة ليجعلها آيات عامة تعطينا قاعدة عامة لما يجب أن يكون عليه الزي الشرعي للمرأة وتعطينا أمراً عاماً بإكمال النقص وإصلاح أي عيب يطرأ على هذا الزي، فلو أردنا تطبيق هذه الآية على حجاب اليوم فإننا سوف نستنتج أن الآية تحرم على المسلمة ارتداء القصير و الشفاف والضيق (مثل البودي والإسترتش وغير ذلك )كما تحرم عليها المكياج وما إلى ذلك..بالإضـافة إلى ما ورد في النص من وجوب ضرب الخُمُر على الجيوب (الجيب: فتحة الرأس من الثوب).

ولكن من أين أتينا بهذا الاستنتاج الذي لم يذكره الكاتب، ولم يقصد إليه ؟

الواقع أننا تخيلنا مظهر الزي الخاص بالمرأة في عهد النبوة بعد تعديلات القرآن واعتبرنا أن ذلك هو الزي الذي أقره الشارع زياً شرعياً للمرأة، ثم طبقنا هذه التخيلات على ما نراه الآن من أزياء يطلق عليها الحجاب الإسلامي وبعضها لم يحتو مما ذكره الشرع إلا على غطاء الرأس، وذكرنا بعض ما نأخذه على هذه الأزياء.

لقد أراد الكاتب أن يقنعنا بأن القرآن لم يحدد مواصفات محددة وإنما أمر فقط بالحشمة وهي كلمة فضفاضة المعنى قد يدعيها من النساء من هن أبعد الناس عنها، ولكننا نرجوا أن نكون قد وفقنا في بيان أن القرآن قد حدد مواصفات خاصة للزي حتى ولو فسرناه من منطلق هذا الرأي.

5. الرأي الخامس هو أن هذه المسألة في حاجة إلى مفهوم عصري و تفسير جديد، ويقول الكاتب أيضاً أن للدين الإسلامي مرونته وسعة أفق تفسيره، وأنه دين يسمح بتعدد وجهات النظر وأن الاختلاف والتعدد فيه هو الأصل وأن المطالبة برأي واحد قاطع في قضية تفصيلية حياتية مرتبط بعصر دون الآخر فيه من القطع والحزم والمصادرة على إبداع فقهي يكتسب من عصره وزمنه مميزات بقائه وصلاحيته.

والرد على ما قاله الكاتب هو:ماذا يقصد الكاتب من التفسير العصري للمسألة؟ إنه يحاول من جديد أن يعتمد على حقيقة أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان ليحاول أن يقنعنا أن ذلك يقتضي أن يتغير الإسلام ليكيف الزمان والمكان، والواقع أن الكاتب لم يفهم معنى العبارة السابقة، وكما قلنا سابقاً فإن معنى أن الإسلام دين لكل العصور هو أن الإسلام صالح للتطبيق في كل العصور وقد يتطلب ذلك تغييراً في بعض فتاوى الفقهاء من آن لآخر ولكن ذلك في الفروع وفروع الفروع، أما إذا اختلف المسلمون في أصول دينهم فإنهم يكونون قد ضلوا سواء السبيل.

إن الإسلام دين مرن بالفعل ولكن فيما لم يرد فيه نص، فالاجتهاد هو آخر مراحل التشريع الإسلامي، ويسبقه في ذلك القرآن والسُنَّة والإجماع والقياس، ولو أن باب الاختلاف والاجتهاد مفتوح على مصراعيه لوجدنا من الفقهاء من يفتي بزيادة أو إنقاص مقدار الزكاة حسب حالة المجتمع من الغنى والفقر، ولكن هذا لم يحدث رغم أن القرآن لم يحدد مقدار الزكاة وإنما حددته نصوص السنة، ولو أننا طبقنا مبدأ الاتفاق في الأصول والاختلاف في الفروع على الحجاب لوجدنا أن علماء الدين قد اختلفوا على أمور بسيطة مثل وجوب أو عدم وجوب النقاب، وتغطية الوجه والكفين أو عدم ذلك، وأباح قلة قليلة جداً بعض الأمور الأخرى مثل الخضاب والكحل والخلخال، ولكن هل أباح واحد منهم كشف الشعر أو الساقين أو الخلوة بالأجنبي أو وضع أدوات المكياج؟ كلا بالطبع و حتى علماء الدين الذين أباحوا المكياج اشترطوا عدم حدوث الفتنة مما يحجم هذه الإباحة إلى حد كبير، ويجب علينا ملاحظة أن مسمى علماء الدين يستبعد المتنطعين الذين يرون أن في كشف عين المرأة فجوراً وفي كشف وجهها كفراً، كما يستبعد المتساهلين في الدين الذين يُفتون الناس بغير علمٍ ليقولوا إن الإسلام لم يحدد للمرأة زيا محدداً وإنما فقط أوجب العفة وهي صفة محلها القلب وأوجب الحشمة وهي كما ذكرنا معنى فضفاض.

ثم ينتقل الكاتب إلى مثال آخر أراد منه خلط الأوراق فيقول إن أوروبا في العصور الوسطى كانت نساؤها ترتدي ثياباً نسائية كاملة الاحتشام ولم يكن يظهر من جسم المرأة بوصة واحدة وأن ذلك لم يكن سببه قيم دينية مسيحية وإنما قيم العصر ثم يقول إن الزي لم يمنع انحرافاً ولا وبالاً في أي تاريخ  ويقول إن الرغبة في ربط الزي بالعمل هي رغبة تيار متطرف في الإعلان عن نفسه وأن ما ساعده على ذلك هو تحول الحجاب من زي إسلامي إلى زي شعبي، كما يقول إنه بمناسبة الزي الشعبي فقد  كان الكاتب يتمنى حينما يتسيد الزي الجديد في مصر ألا يستورد من بلاد النفط وباكستان، فلدينا الزي الوطني القديم وهو ثوب الفلاحة وطرحتها وهو زي ديني محتشم ومع ذلك ارتدته جداتنا، كما يقول أن غرض من نشروا الحجاب الجديد هو سلب هوية المصريين، وبعد ذلك يقول إن الزي لم يكن ولن يكون سوى قضية شكلية لا جوهرية و يذكر بعض الوقائع (منها بعض حالات الزنى) حدثت في عهد النبوة ومع ذلك لم يمنع الرسول S من ظهور المرأة وقال إنه لا يكرمها إلا كريم ولا يهينها إلا لئيم.

   والرد على ذلك يكون كالتالي:

أولاً: إذا كان الزي لم يمنع وبالاً ولا انحرافاً فذلك لأن الزي لم يرتبط بالسلوك وكان مجرد زي شعبي أو موضة ولو ارتبط الزي بالسلوك لساهم في منع الانحراف بالطبع.

ثانياً: إنني أؤيد الكاتب في الانهيار الذي أصاب الحجاب وتحوله من زي إسلامي إلى مجرد زي شعبي، وأصبحنا نرى نفس الموضات والأزياء التي كانت سائدة في السبعينات قد بدأت تنتشر في أوساط المحجبات مع فارق بسيط وهو وجود (الطرحة) في هذا الزي، ولكن هل علاج هذا هو التهوين من شأن الحجاب..كلا.

إذا كان الحجاب لا يحدد الأخلاق فإنه أحد عوامل العفة ولكن للعفة والطهارة عوامل أخرى مثل عدم الخلوة وعدم الخضوع بالقول وعدم الذهاب إلى أماكن مشبوهة وعدم مخالطة الشباب الماجن.....الخ، وإذا كانت بعض الفتيات قد اعتقدن أن الحجاب هو العفة، وهن بالتالي لا يؤدين جميع شروط الحجاب والاختلاط والبعض لا يؤدي من هذه الشروط سوى الطرحة، فإننا لا نرد عليها بأن الحجاب ليس هو العفة، ونحاول تقليل شأنه، وربما ينتهي الأمر إلى أن تخلعه نهائياً، ولكن العلاج هو في إقناع البنات والسيدات بضرورة اتباع قواعد الأخلاق، والعفة الكاملة بالإضافة إلى إكمال الناقص من شروط الحجاب وبيان أن العفة المطلوبة من المؤمنات تتحقق بهذه الأمور مجتمعة ، بمعنى إكمال الناقص لا القضاء على الموجود..

وأنا لا أريد المؤلف أن يكون مثل شخص اشترى قميصاً ولكنه اكتشف أنه لا يمتلك أي (بنطلون) يناسب هذا القميص، وبدلاً من أن يشتري بنطلوناً يناسبه قام بتمزيق القميص. نعم لقد تحول الحجاب إلى مجرد زي شعبي بالنسبة لكثير من الفتيات ويجب علينا إزاء هذا الموضوع أن نقنع الناس بالحجاب من منظور ديني بحيث يكون حجاباً كاملاً..حجاباً تؤيده العفة وتدعمه الأخلاق ، لا أن نقول أن الحجاب أصبح مجرد زي شعبي لا يصلح أن نهتم به من منظور ديني كما يقول المؤلف، وإننا ننصح في هذا المقام بقراءة كتاب الأستاذ نظمي خليل أبو العطا المسمى (رسالة إلى الأخت المسلمة في الجامعة) مع ملاحظة أن هذا الكتاب موجه إلى المحجبات اللاتي لم يعرفن حق الحجاب كفرض ديني.

ثالثاً: بمناسبة استيراد الحجاب،هل كان من المعقول أن تذهب البنت إلى المدرسة أو الجامعة وهي ترتدي (البردة) الصعيدية القديمة، بالمناسبة لقد حدث ذلك بالفعل (جزئياً) في بعض قرى الصعيد حينما كانت الموظفات  والطالبات يرتدين عند خروجهن (البردة) ولكنهن كن يخلعنها على باب مقر عملهن أو دراستهن، ولم تجرؤ واحدة منهن على ارتداء الزي الشعبي القديم في داخل هذه الأماكن تحاشياً لما سوف يلاقينه من سخرية واستهزاء خاصة أن الناس قد اصطلحوا فيما بينهم على أن هذا الزي القديم هو زي (الفلاحات)فقط، وعلى الرغم من أن الحجاب نفسه في بدايات انتشاره كان مثاراً للسخرية من بعض الشباب، فإن الفتيات المحجبات أدركن أن ما يلاقينه من أذى لن يقارن بهذا الأذى المتوقع لو ظهرن بهذا المنظر في المدارس والجامعات وأماكن عملهن، وحيث أن الإسلام لم يحدد زياً محدداً فإن ارتداء الحجاب الحالي سوف يكون أفضل من ارتداء الزي الشعبي القديم خاصة بعد أن اختفت سخرية الشباب من المحجبات أو كادت بعد انتشاره في كل الأوساط، كما أن ظهور فتاة بهذا الزي في مثل هذه الأماكن بهذا الزي سوف يلفت إليها الأنظار وهو ما يتعارض مع مبدأ وشرط الزي الإسلامي الشرعي.

وإذا كان الكاتب يرفض أن نستورد زينا الإسلامي من باكستان والسعودية وغيرها،فلماذا لم يرفض أن نستورد الزي الأوروبي من قمصان وبنطلونات وبلوزات و(ميني جيب) و.......هل يعتبر الكاتب أن الاستيراد من الدول الإسلامية حرام ومنكر ويؤدي إلى فقدان الشخصية المصرية وذوبانها في شخصية هذه الدول، بينما الاستيراد من أوروبا حلال ولا يؤدي إلى فقدان الشخصية المزعوم؟ لماذا لا نتوقف عن استيراد الزي من أي مكان بالعالم، و نعود جميعاً إلى الجلابية الفلاحي والبردة الصعيدي، بل لماذا لا نعود إلى الزي الفرعوني ؟ فهو الأصل لكل المصريين منذ الأزل.

ثم من الذي قال إن الحجاب الحالي مستورد من السعودية أو باكستان؟ إن زيارة واحدة لأي من الدولتين تثبت لنا أن الزي الحالي لم يستورد من هذه الدول، بل إنه في معظمه أوروبي الطابع حيث نجد الفتاة ترتدي (فستان ) أو (تايير) وتضع فوقه الطرحة وهي الفرق الرئيسي بين هذا الزي و الملابس الأوروبية ، ثم إن الأزياء الإسلامية  وغير الإسلامية في معظم دول العالم هي في الأصل مستوردة من أوروبا بعد أن تم تعديلها لتناسب مجتمعاتنا، ويكفي أن تذهب إلى أحد المحلات التجارية لترى أن من أنواع الطُرَح نوع يدعى (الإيطالي) وآخر يدعى (الأسباني ) وغير ذلك كثير.

رابعاً: إن ما يقوله الكاتب عن التيار المتطرف الذي يسعى لنشر الحجاب رغبة منه في الإعلان عن نفسه والاستعراض بقوته وسلب هوية المصريين أوهام لا وجود لها إلا في خياله، ولا دخل بين التطرف وانتشار الحجاب في بلادنا .

خامساً: بالنسبة للوقائع التي حدثت في عصر النبوة من مخالفات لبعض المسلمين والتي أفرد الكاتب لها خمس صفحات (من صفحة 33 إلى 37) في كتابه الصغير الذي لم يجاوز 52 صفحة، فهي تدل على ما نعلمه مسبقاً من أن المجتمع الصحابي برغم مثاليته لم يكن معصوماً من الوقوع في الخطأ، وصل في بعض الحالات إلى القتل والزنى ، ولكننا يجب أن نلاحظ عدة أمور هي:

1. لقد كانت هذه الجرائم و الأخطاء نادرة جداً في المجتمع النبوي مما يدل على طهارة ومثالية هذا المجتمع، ومن التعجيز أن نطالب المجتمع أن يكون خالياً تماماً من مثل هذه الأخطاء لأنه لا معصوم سوى الأنبياء.

2. لقد كان الحجاب واحتشام النساء والرجال على حد سواء بالإضافة إلى غض البصر من جانب الرجال من أهم العوامل التي أدت إلى انخفاض معدل هذه الجرائم وهذه المخالفات، وليس لنا أن نفترض من هذه العوامل أن تمنع هذه الجرائم منعاً مطلقاً.

3. يجب ملاحظة أن المسلمين في هذه العصور كانوا حدثاء عهد بالإسلام، وبعضهم فعل في جاهليته أعمالاً من هذا النوع ، فلما هداهم الله للإسلام لم يستطع البعض أن يتخلى عن عاداته وأفعاله المحرمة بالسرعة المطلوبة، كما أن هذه الذنوب جميعاً لم تكن ذنوباً مدبرة ولا مخططة، بمعنى أنها لم تكن مع سبق الإصرار والترصد، وإنما تعتبر جميعها من الذنوب التي تحدث في لحظة ضعف بدليل أن معظمهم كان يعترف عند رسول الله S من تلقاء نفسه قبل حتى أن يعرف أحد بما حدث.

4. كل الناس يخطئ، ولكن الخطأ يختلف في الطبيعة والدرجة بحسب الوازع الديني وقوة القانون وعوامل أخرى كثيرة متداخلة.

سادساً: بالنسبة لما ذكره الكاتب من حديث رسول الله S بأن المرأة لا يكرمها إلا كريم ولا يهينها إلا لئيم فهي كلمة حق يراد بها باطل، إذ يحاول الكاتب أن يستدل بأحاديث رسول الله S بينما واقع الحديث ضد أفكار الكاتب .

فالحديث يحث على إكرام المرأة وينهى عن إهانتها، ولكن هل المقصود كما فهمه الكاتب هو أن إكرام المرأة في خروجها وإعطائها (حريتها) المزعومة، وأن في بقائها في البيت وارتدائها الحجاب إهانة لها؟

على النقيض تماماً يا سيدي..

وتكفينا نظرة واحدة إلى حال المرأة الأوروبية الآن لنجد أنها قد صارت سلعة معروضة للناس بالمجان يرغب فيها من يرغب ويرغب عنها من يرغب، وتعددت حالات الاغتصاب والتهتك والفجور والفواحش ما ظهر منها وما بطن.

وفي رأيي أن إكرام المرأة هو في منحها الاحترام والتقدير الذي تستحقه والنوء بها عن كل ما يدنسها ويذهب احترامها، ولعل أعلى مراتب الاحترام تتحقق للمرأة العفيفة المحجبة لا لتلك التي يعرض لحمها على التليفزيون ويتمنى الشباب في منازلهم لو تكون ملكهم ولو لليلة، وليس ذلك بدعاً من القول ولا تخيلاً مني، فقد رويت لي قصة حقيقية عن شاب  سعودي رأى مطربة جميلة تغني على الشاشة الصغيرة بملابس تكشف أكثر مما تستر، وكان معه بعض أصدقائه، فقال لهم بكل صراحة وبلا خجل: آه لو بقيت مع هذه المطربة لليلة واحدة، ولما استنكر أحد زملائه قائلاً:ألا تخاف من تطبيق الحد عليك فما كان جوابه إلا أن قال لهم: حتى لو طبقوا الحد علي، لا يهم...إلى هذا الحد أدت الخلاعة والتعري إلى أن أصبح هذا الشاب يتمنى الزنى تمنياً ولا يمنعه عن ذلك وازع ديني بل ولا يخاف على نفسه من تطبيق القانون السعودي الذي يسير على نهج الحدود الشرعية الصارمة.

وإن في رجعة ممثلات التليفزيون والسينما والراقصات من أمثال:هالة الصافي، ونسرين، وشادية، ومديحة حمدي وغيرهن كثير إلى الإسلام السليم، وإن في تركهن ما هن فيه واعتزالهن عالم الفن البراق وارتدائهن الحجاب لعبرة، فقد تركن الدنيا وما فيها واشترين الآخرة وما فيها، تركن التكشف والسفور وعرض أجسامهن رخيصة مبتذلة، واشترين العفة والاحترام والوقار والحجاب.

إن حديثك الذي استشهدت به هو في واقع الأمر دليل ضدك ولكنك أسأت فهمه، ومن يدري، ربما لم تفهم أساساً ما المقصود من الحديث، فقد كانت المرأة عند العرب قبل الإسلام مهينة مبتذلة تباع وتشترى، ويئد الشريف منهم بناته خوفاً من العار، ويئد الوضيع منهم بناته خوفاً من الفقر، وكان الولد يرث عن أبيه زوجاته، ولم تكن المرأة ترث من ذويها شيئاً إلا فيما ندر،فجاء الإسلام وأعلى من شأن المرأة وصان كرامتها ووضعها في بوتقة من الذهب واللؤلؤ يتمثل في زي إسلامي وعفة أمرها بها وهما معاً يضمنان لها أن تكون كجوهرة مكنونة لا يذهب بريقها مهما طال الزمن ولا يراها إلا من لا يخشى عليها منه، لا أن تكون كوردة في حديقة غناء، يشمها كل من هب ودب ما دامت لا تزال زكية الرائحة مفعمة بالحيوية، فإذا ما زالت رائحتها داستها الأقدام، أيضاً فإن الوردة عرضة دائماً لمن يقطفها ويقضي عليها بينما لا يكون ذلك سهلاً بالنسبة للجوهرة المكنونة، و إنه من البديهي لنا جميعاً أن قيمة الشيء تزداد كلما بالغ أصحابه في ستره وإخفائه عن أعين الناس، وقد قال الإمام الشعراوي رحمه الله إن الإسلام قد أمر المرأة بالحشمة والعفة في فترة جمالها وشبابها، حتى يحترمها الناس حتى بعد أن تفقد هذا الشباب وذاك الجمال، فجمال المحجبة الإلهي المعنوي يجعلها تحظى باحترام يفوق إعجاب الناس بملكة جمال العالم التي لا بد من ظهورها عارية للحكام فيكون جمالها جمالاً حِسِّياً بحتاً لا روح فيه ولا احترام .

بعد ذلك يقول الكاتب إنه من الممكن أن نتهمه بأنه ضد الحجاب وهي أيضاً محاولة سافرة منه للإقناع إذ أنه بعد ذلك يرجونا و (يقبل الأرض تحت أقدامنا) أن نجرب الصعب وأن نفكر ولو لمرة وكأن سيادته هو الوحيد الذي يفكر على أرض المحروسة.

ثم يقول الكاتب بعد ذلك إنه لا أحد يضمن دخول الجنة ولذا فلماذا نصدر الأحكام النهائية ونقذف الناس بالمعصية والكفر، والرد على كلام الكاتب بسيط جداً وهو: ما دام الأمر كذلك،فلماذا تصدر أنت الأحكام على علماء الدين بالتنطع والمغالاة؟

ثم يهاجم الكاتب الحديث عن المتبرجات وتقسيم النساء إلى محجبات ومتبرجات، وأحب أن أوضح للكاتب أن لفظة (متبرجة) تعني المرأة التي تظهر مفاتنها لغير محارمها، وهو معنى عام يشمل غير المحجبات كما يشمل أولئك اللاتي ارتدين الحجاب شكلاً ولم يطبقن كل شروطه، وعندنا في الصعيد تعتبر البنت المحجبة متبرجة إذا كانت تستعمل أدوات المكياج.

من هنا يتبين لنا أن كلمة (متبرجة) لا تعني بالضرورة (غير محجبة)، ولكن غير المحجبة تكون متبرجة وذلك إذا فهمنا الحجاب بمعناه الشائع وهو تغطية الرأس لأن الشعر من مواضع الفتن، ولكن لو فهمنا الحجاب كما يُعَرِّفُه علماء الدين بأنه ستر العورات وإخفاء المفاتن لأصبحت كلمتا (متبرجة) و(محجبة) كلمتان متضادتان بالفعل.

إننا بالتالي لا نعترض على تقسيم النساء إلى محجبات (الحجاب الشرعي) ومتبرجات، ولكننا نعترض على أن يتجاوز البعض الحد فيعتبر أن التبرج يعني الفجور أو الكفر أو التخليد في النار.

ثم يتحدث الكاتب عن حملات منظمة وقوية وناجحة في دمج الحجاب بالدين، بحيث ينزع الدين عن غير المحجبة ويلصق الإيمان الذي (يشر)من المحجبات، والرد على ذلك هو أن الحجاب فرض ديني لا تكفر تاركته، ونحن نؤمن بأن التكفير تهمة خطيرة لا يجب إطلاقها عبثاً، ولكن مع ذلك فالحجاب من أوامر الله الصريحة وإن في إنكار وجوبه خروج عن الدين، وفي تركه مع الإيمان بوجوبه نقص في الإيمان، فالإيمان ليس صفة مطلقة ولكنه صفة نسبية تزيد بالطاعة وتنقص بالعصيان، أما بخصوص دمج الحجاب بالدين، فأعتقد أنه لا حاجة لنا في ذلك لأن الحجاب بالفعل جزء من الدين،فقد دمجه الله بالدين من قبل أن يخلقنا ومن قبل أن ينزل هذا الدين، ولكنه ليس كل الدين كما يتصور البعض.

ثم يقول الكاتب إن الله لا ينظر إلى صورنا وأسمائنا ولكن إلى قلوبنا ويذكر الكاتب في هامش الكتاب أنه قد وصله خطاب من محجبة تقول فيه إن الله لا ينظر إلى صورنا وأسمائنا، يعني لا ينظر إلى ثيابنا قذرة أم نظيفة، أو صورنا قبيحة أم جميلة، ولكنه ينظر إذا كنت أرتدي ثياباً دينية أو أرتدي الشورت والمايوه، ويرد الكاتب إن الله ينظر إلى أعمالنا وسلوكياتنا وأقوالنا وأفعالنا ويحاسب على النيات ولكل امرئ ما نوى والحسنات يذهبن السيئات، والله يحاسب على الجوهر قبل المظهر كما أن الله يحب المسلم النظيف الجميل.

والرد على ذلك هو أن كلاً من الطرفين قد فهم جزءاً من المعنى وأساء فهم الجزء الآخر، فرسول الله S عندما قال إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم لم يكن يقصد أن الله يحاسب فقط على النوايا والأعمال ولا يحاسب على جمال الوجه ونظافة الثوب بل كان يعني أن الله لا يحاسبنا على ما لا حيلة لنا فيه، وهي الصور والأسماء إذ أن أحدنا لم يختر لنفسه اسمه ولا نَسَبَه ولا شكله وصورته، ولكن الله يحاسبنا على كل أفعالنا وأقوالنا وسلوكياتنا ومنها سلوكيات الملبس وارتداء الزي الإسلامي، وليس صحيحاً قول القارئة إن الله لا يحاسب على نظافة الثوب فرسول الله S يقول إن الله جميل يحب الجمال، والنظافة من الإيمان، كما أنه ليس صحيحاً قول الكاتب إن الله يحاسب على الجوهر قبل المظهر، والصحيح أن الله يحاسبنا على المظهر والجوهر معاً، ويحدثنا القرآن عن الكفار يوم القيامة حينما يفاجؤون بأن كتابهم لم يترك من أمور حياتهم شيئاً إلا ذكرها فيقول: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً}

أما بالنسبة للنية فهي أساس العمل والذي يتم بموجبه الحساب على كل الأعمال، ظاهرها وباطنها، وقد عبر رسول الله S عن ذلك بالقلب لأن القلب هو محل النية، ويخطئ من يفهم الحديث بأن الإيمان في القلب فقط، وأن الله لا ينظر إلى المظهر ما دام الجوهر نظيفاًً، ولكن الحقيقة هي أن صلاح الجوهر وحده لا يكفي بل لا بد معه من إصلاح المظهر ولذا قرن العمل الصالح بالإيمان في كل آيات القرآن، بل إن صلاح الجوهر نفسه لا يتم إلا بإصلاح المظهر، وفي ذلك يقول المصطفى S : { ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب} أي أن الجوهر لا يصلح إلا ويصلح معه المظهر ولا يفسد إلا ويفسد معه المظهر، والمظهر يشمل كل الأفعال والأقوال والسلوكيات والعادات ويدخل في ذلك بالطبع الملبس، وقد فسر بعض العلماء حديث رسول الله S بأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده بأن المقصود بها أن الله يحب أن يرى أثر الإيمان على من هداهم للإيمان، وأثر الإيمان يكون في العادات والسلوكيات والأقوال والأفعال وجميع صور المعاملات بين الناس، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتقبل من الفتاة المتدينة أن تخرج بملابس خليعة وتقول إن الإيمان في القلب.

ولنضرب مثالاً يوضح أننا محاسبون على كل أمور الدنيا من العادات والسلوكيات، وأن الإسلام ليس أداء لفروض الله من صلاة وصيام وزكاة فقط، وهذا المثال هو ما روي لرسول الله S عن امرأة لا تكاد تنام من كثرة قيام الليل كما أنها لا تكاد تفطر من كثرة صيامها، ولكن بها عيباً واحداً هو أنها سيئة السلوك مع جيرانها، فقال الرسول S إنها في النار ثم روي لرسول الله S عن امرأة أخرى لا تصلي غير الفروض ولا تصوم سوى رمضان، ولكنها دمثة الأخلاق محبوبة من جيرانها فقال الرسول S إنها في الجنة.

أما ما يحدث الآن من انتشار الحجاب بين كل الطوائف متدينها وفاجرها فهذا أمر يجعلنا نعود مرة أخرى إلى موضوع النية، فمن تتحجب لأنها مقتنعة بذلك ولأنها تحرص على طاعة ربها فهي التي طابق ظاهرها باطنها،كما أن حرص الفتاة على طاعة أوامر ربها سوف يجعلها تطبق باقي شروط الحجاب وباقي شروط العفة وتكون بإذن الله مؤمنة عفيفة، أما من تتحجب لأن (الموضة كده) أو لأنها تخشى الشذوذ وسط المجتمع....فهذه من الناحية الفعلية غير محجبة لانتفاء نية الحجاب الشرعي...وهؤلاء الفتيات هن اللاتي يعتقدن أن الحجاب هو مجرد طرحة وتفعل بعد ذلك ما بدا لها (قد تصل كلمة [بعد ذلك ] إلى حدود خطيرة جداً).

إن هذه الفتيات اللاتي ظهرن محجبات وهن فاجرات مثلهن مثل المنافقين الذين ظهروا في بدايات التاريخ الإسلامي، فهل يمكن أن يقول أحدنا أن وجود المنافقين في الإسلام يقلل من شأن الإسلام؟ كلا بالطبع، بل على العكس يمكننا أن نعتبر ذلك فخراًً للإسلام لأنه لا ينافق إلا القوي، كذلك فإن وجود محجبات متبرجات لا يسيء إلى الحجاب في حد ذاته.

بعد ذلك يقول الكاتب إن الحجاب ليس دليل الالتزام الأخلاقي والتقدم الحضاري ولا ميزان العمل ولا خلاصة الدين وأود أن أعرف:هل قال أحد هذا الكلام؟إن الحجاب فرض ديني عادي جداً، ولا فرق بينه وبين العفة والأمانة وغير ذلك من فروض الدين.

أما من يقول إن الحجاب هو الفاصل بين الإيمان والكفر فهو المتنطع بعينه وهم قلة قليلة جداً (طبعاً ليس كل المحجبات متنطعات وليس كل من يدعو إليه متنطعاً).

بعد ذلك يقول الكاتب إن الحجاب لم يمنع من ظهور أصحاب الرايات الحمر  (بيوت العهر) في العهود البعيدة بل إن الكبت والفصل بين الجنسين كان مثاراً لمزيد من الخلاعة والتهتك والحرمان الجنسي والكبت الذي يؤدي إلى نتائج ليس أبسطها الشذوذ الجنسي، والرد على هذا الكلام يتمثل فيما يلي:

أولاً: الحجاب فعلاً ليس فاصلاً بين الإيمان والفجور، ولم يمنع الحجاب الانحلال وظهور أصحاب الرايات الحمر ولكن هل ينقض ذلك من قدر الحجاب كفرض ديني؟ كلا بالطبع ، وهاك مثال نوضح به ما رأينا:

   الصلاة عماد الدين وأول أركان الإسلام بعد الشهادتين وفيها قال رسول الله S:{العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر} ولكن هل تعني الصلاة بالضرورة صلاح الباطن؟ هل يعني عدم الصلاة بالضرورة الانحلال والفجور والكفر؟ كلا يا سيدي المؤلف، ولكن هذا لا يمنع أن الصلاة هي عماد الدين ولن تزال كذلك حتى ولو أداها بنيامين نتنياهو أمام حائط المبكى سخرية من المسلمين، وحتى لو أدتها راقصة وهي عارية، ولا يمكننا الحكم على الفروض الدينية من واقع فاعليه، بل إنه لا يمكننا أن نحكم على الإسلام ذاته كدين من واقع أتباعه والمؤمنين به كما ذكرنا من قبل من أن وجود المنافقين لا يسيء إلى الإسلام.

ثانياً: يقول الكاتب: إن الكبت يزيد من الخلاعة والتهتك والحرمان الجنسي، والرد هو: وكيف يكون في رأيـك الإشباع الجنسي الذي يمنع الكبت؟ هل يعني ذلك ضرورة خروج الرجال والنساء عراة في الشارع من أجل منع الكبت أم ماذا؟

   إن الكبت يا صديقي هو أن تفتح التليفزيون فتشاهد النساء عاريات من كل شكل ولون، تنزل إلى الشارع فتشاهد السيقان والأذرع و....وتفتح مجلةً أو كتاباً فترى الصور الخليعة في الأوضاع المختلفة، ترى كل ذلك وتأتي لإشباع رغبتك بالطرق المباحة فلا تتمكن لأنك لن تتزوج كل أصناف النساء - بل إن مجرد الزواج قد أصبح حلماً يصعب تحقيقه لدى كثير من الشباب بسبب ارتفاع تكاليف الزواج - وعندما تجد أنك لا تستطيع إشباع رغبتك بالطرق الشرعية تحاول حتى أن تشبعها بالطرق غير المشروعة  فتصطدم بتقاليد المجتمع وأحكام الشرع والقانون، هنا تشعر بالكبت والحرمان الجنسي.

   وما يحدث في أوروبا من أن الفتاة يمكن أن تسير عارية في الشارع ولا ينظر إليها الرجال ليس معناه أن عدم الكبت قد أدى إلى تحويل الأوروبيين إلى ملائكة ولكن يعني أن هؤلاء الناس قد استمتعوا بالنساء والزنى (وغير ذلك) حتى ملُّوا ولم يعد منظـر الفتاة يثيرهم لأنهم ليل نهار مع النساء العاريات..ثم إن ذلك أيضاً غير مضمون بمعنى أن خروج الفتاة العارية إلى الشارع سوف يثير مع ذلك بعض الرجال وإن لم يثرهم جميعاً، وإن في الارتفاع الخرافي لحالات الزنى والاغتصاب في هذه البلاد ما يؤكد قولنا، أي أن المحذور الرئيسي الذي من أجله فرض الحجاب قد حدث عندهم فعلاً.

   أما إذا لم يجد الإنسان ما يثير شهوته الجنسية النائمة فإنه لن يكون لديه كبت أصلاً لأن الشهوة الجنسية لا تثار من تلقاء نفسها ولا بد من مثير خارجي يثيرها.

   قد يعتقدني البعض مجنوناً من طريقة تفسيري للكبت وإن كنت قد قرأته من قبل في أحد الكتب الدينية، وعلى كل فسوف أضرب مثالاً يوضح وجهة نظري للكبت وهو: الكبت السياسي، فلو فرضنا أن رئيس دولة ما أصدر قراراً بمنع الكلام في السياسة أياً كان وعدم التدخل في شؤون الحكم فهل سوف يحس جميع السكان بالكبت بنفس الدرجة؟ بالقطع لا..

   فالفلاح التقليدي (بتاع زمان) الذي لا يعرف في الدنيا سوى مزرعته وماشيته وأسرته لن يحس باختلاف ولن يتأثر بالقرار بل إنه قد لا يعرف أساساً بصدور هذا القرار، أما الفلاح الحالي الذي يعرف شيئاً من السياسة فسوف يحس ببعض الضيق ولكنه سوف يعود إلى عمله وكأن شيئاً لم يكن، ودون سرد جميع طبقات الشعب سوف نتخيل رد فعل طالب السياسة والاقتصاد، هذا الطالب كيف نطلب منه عدم التدخل في السياسة؟ لا شك  أنه  سوف  يحس بكبت لا حدود له، وقد يضطر إلى الانفجار في المجتمع كله للتنفيس عن نفسه.

ثالثاً: من أهم الأسباب التي تؤدي إلى شعور الإنسان بالكبت هو إحساسه أن الأمر مفروض عليه، فلو أصدر الرئيس قراراً بوجوب الحجاب هنا قد يحس البعض بالكبت خاصة إذا لم يحاول الحاكم إقناع الناس بوجوبه الشرعي واكتفى بالإلزام القانوني ، ولكن أن يصدر ذلك القرار من البنات أنفسهن فإن ذلك لن يؤدي إلى أي كبت.

ثم يقول الكاتب أن تقدمنا الحضاري لم يكن لأننا محجبين، وفي عصر المماليك كانت المرأة في أحط الصور شأناً مع أنها كانت محجبة ومع ذلك كنا بلا حول ولا قوة ونفخ فينا الغزو الفرنسي فانهارت الأمة كلها، وقبلها استطاع الحاكم بأمر الله حبس النساء عن القاهرة لست سنوات لم تر إحداهن فيها الشارع ولم تصبح الحياة أجمل ولم تتقدم البلاد أو تزداد تقواها بل ربما العكس ويقول إن كمال أتاتورك حين خلع حجاب المرأة التركية (ويتمنى الكاتب ألاَّ يصطاد أحد في الماء العكر ويقول إن الكاتب يؤيد ما فعله أتاتورك) لا يعني ذلك أن ما قبله كان رائعاً وأن الحجاب والنقاب في الإمبراطورية (أو الخلافة كما يحلو للبعض أن يلوك) لم يمنعا من سقوط هذا الكائن لأن الحجاب لا يحمي المغفلين ولن يحفظ الله عليك نفسك ووطنك وأمتك لأنك تحافظ على الزي بينما تترك الجوهر والأصل.

   والرد هو أنني أؤكد هنا على ضرورة إكمال الناقص لا القضاء على الموجود ، فالمظهر مهم وكذلك الجوهر ولا يصلح أحدهما إلا بالآخر، وفي ذلك يقول أبو السعود العشائري الصوفي المصري (الطلب شغل الظاهر، والمطلوب شغل الباطن، ولا يستقيم ظاهر إلا بباطن، ولا سلم باطن إلا بظاهر) فالحجاب دون عفة وتقوى مجرد زي، والعفة دون حجاب لا تنفع ولا تجدي،  وإن كل ما أورده الكاتب من أمثلة تاريخية إنما مرجعه هو الاعتقاد بأن الحجاب هو التقوى وهو الكافي من الشر، ولكن الحجاب في الواقع مظهر لا يصلح إلا بصلاح الجوهر، ولا يعني ذلك أبداً تقليل شأن الحجاب وأهميته.

   والخلاصة هي تأييد الكاتب في رفضه لما يدعيه المتنطعون من أن عدم الحجاب دليل الفجور والحجاب دليل التقوى، وفي نفس الوقت معارضة الكاتب في محاولته المستمرة لتقليل شأن الحجاب والسير على طريقة من اشترى قميصاً ثم مزقه لعدم وجود بنطلون يناسبه.

   بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى موضوع آخر وهو أن الحجاب لم يحمِ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من حادثة الإفك، والرد على ذلك أنه لا علاقة بينهما إطلاقاً،فتأخر عائشة عن الركب وركوبها مع هذا الرجل حدث دون قصد وتدبير منها أو منه،والموضوع كله يتعلق بالمنافقين الذين كانوا يتربصون بالمسلمين الدوائر ويسعون بكل الطرق لتشويه صـورة محمد S وزوجاته الأطهار،وهم الذين كانوا يصطادون في الماء العكر، ولكن لو لم يوجد منافقون لما جرؤ أحد على اتهام عائشة بهذه التهمة الحقيرة، ثم إن الموضوع كله تم بتدبير إلهي ولحكمة يعلمها الله وحده عبر عنها حين قال في كتابه { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم } فأثبت أن مراده تعالى من الحادثة هو الخير وليس الشر.

   بعد ذلك يعود الكاتب إلى وصف الحجاب بأنه زي شعبي ويذكر في هامش الكتاب أن قارئة محامية قد اعترضت على استخدام تعبيـر (زي شعبي) ويرد الكاتب بأنه ليس مضطراً للاعتذار لأن الزي عندما يكون موحداً في شكل الطرحة والعباءة وحتى لون القفاز فإنه يكون شعبياً مثل الجلابية الفلاحي تماماً .

وقد يكون الحجاب قد صار كذلك بالفعل ولكنني أكرر أن المطلوب هو إعادة فكرة الحجاب الديني  إلى الأذهان بدلاً من إبطال الحجاب ككل لمجرد أنه اتهم بأنه (زي شعبي)، ثم من الذي قال إن الحجاب في مصر موحد في الشكل،إن ألوان ملابس المحجبات تتنوع من فساتين وتاييرات وجيبات وبلوزات وما إلى ذلك،وحتى الطرح نفسها تتنوع وتختلف شكلاً وحجماً،وهناك أيضاً(الخمار) ثم أخيراً النقاب فأين الزي الشعبي الموحد في ذلك، أم أن مجرد اتفاق الجميع على تغطية الشعر والساقين والذراعين والصدر هو الذي جعله زياً شعبياً لا علاقة له بالدين، صحيح أن الكثير من الفتيات تحجبن دون وازع ديني ، ولكن الكثير أيضاً تحجبن عن اقتناع ديني كامل وكنتيجة للصحوة الإسلامية الكبرى التي بدأت منذ سبعينات القرن العشرين والتي انتشرت في أنحاء العالم كله من أقصاه إلى أقصاه.

بعد ذلك يصور الكاتب بعض المشاهد اليومية في الشارع المصري حيث نرى المحجبة تجلس في فندق خمس نجوم ومعها رجل (أخوها أو خطيبها أو زوجها لا نعرف)وأمامهم كؤوس الخمر والبيرة، وكذلك قد نرى المحجبة تجلس على الكورنيش بلا حياء أو تنزل البحر بملابسها أو تجري وتلعب، وما ذكره الكاتب من بعض المحجبات العاملات اللاتي لا يتقن أعمالهن ويحولن مقار عملهن إلى جلسات نميمة وغير ذلك مما أورده الكاتب من أمثلة فهي جميعاً تدل على أن هؤلاء جميعاً هن من نوع الفتيات والنساء اللاتي تحجبن دون وازع ديني، ويجب علينا إزاء هذه المشكلة أن ننمي هذا الوازع الديني بدلاً من أن نهاجم الحجاب وإنني أنا الذي أرجوك هذه المرة وأقبل الأرض تحت أقدامك ألا تحاسب الحجاب على ما تفعله المحجبات اللاتي أسأن فهم المعنى الروحي العظيم للحجاب وحاول معنا إفهامهن بل حاول أن تفهمه أنت أولاً.

أما ما ذكره الكاتب من قصة الفتاة المنقبة الملتزمة التي طلعت (راجل) فهي حالة واحدة أو حالات فردية قليلة جداً وسط آلاف مؤلفة من المنقبات فهل نحاسب كل هذا العدد لمجرد أن أحد المخنثين قام بلبس نقاب نسائي، ثم إن موضوع تقليد الجنس الآخر موجود حتى في الغرب،ففي إحدى مسابقات العدو فازت إحدى العداءات بالسباق وحطمت الرقم القياسي، ولكن أحد المراقبين لاحظ أن عضلات فخذيها أقرب إلى عضلات الرجال منها إلى عضلات النساء فطلب الكشف عليها للتأكد من جنسها فإذا بها (راجل) مكتمل الرجولة، استغل جمال وجهه وقام بتطويل شعره وقص شاربه وبقليل من المكياج صار عداءة عالمية ودون الحاجة إلى نقاب ، ولولا دقة ملاحظة هذا المراقب لما عرف أحد بأمره إلى الأبد.

   بعد ذلك يقول الكاتب إن من لا  يروق له  كلامه  سوف يقول إن معنى كلامه هو أن المطلوب من الفتاة المحجبة الملتزمة أن تخلع حجابها، ولا يحاول الكاتب نفي هذه التهمة عن نفسه بل يتجه فجأة إلى موضوع آخر فيقول: إن الله لم يمنح أحداً من البشر توكيلاً لكي يقول هذه تدخل الجنة وهذه تدخل النار، وهذا أمر مفروغ منه ولم يدعيه أحد حتى ترد عليه، المهم يقول الكاتب إن الزي والشكل يظلان زياً وشكلاً لا أكثر ولا أقل، وإن الحجاب أو عدمه ليس دليلاً على شيء من الورع والتقوى والله يعلم ما في القلوب، وأعود هنا إلى تكرار ما قلته وهو أن الحجـاب فرض ديني قبل أن يكون زياً وشكلاً، وسلوك قبل أن يكون طرحة، وأن المطلوب هو إعادة مبدأ الحجاب السليم لا القضاء على الحجاب من أساسه بادعاء أنه شكل وزي فقط، وقد قلنا من قبل إن الحجاب دون عفة مجرد زي، وإن العفة دون حجاب لا تجدي ولا تنفع.

   وهنا أعود إلى تشبيه الحجاب (كفرض ديني) بفرض آخر هو الصلاة، فهل تعني الصلاة وحدها شيئاً من التقوى والورع، وفي المملكة العربية السعودية الجميع يصلون،سواء رجالاً أو نساءً أو أطفالاً، فهل يعني ذلك أنه لا يوجد فيهم متطرف ولا يوجد فيهم منحل، ارحموا الحجاب من افتراءاتكم فهو فرض ديني عادي، مثل الصلاة والزكاة والأمانة وطلب العلم والصدق، ويقابله عند الرجال غض البصر.

   بعد ذلك يقول الكاتب إن الأمم لو كانت تتقدم بالزي لكان الإسكيمو أفضل شعوب الأرض وكان الغرب في أحط درجات الحضارة، ويقول إن البعض يقول إن الله قد عاقب الغرب على انحلاله بالإيدز، ثم يرد بثلاث ردود على هذه المقولة، وقبل أن أرد على الردود سوف أرد على كلام الكاتب السابق على ردوده فأقول: من الذي قال إن الأمم تتقدم بالزي؟؟؟طبعاً لا يقر عاقل بهذا الكلام، ولكن هل هذا مبرر كاف لتقليل شأن الحجاب كفريضة دينية نصت عليها آيات القرآن وأحاديث السنة؟؟ولنعد إلى تشبيه الحجاب بالصلاة ونقول:هل الصلاة هي سبب تقدم الأمم؟ إذن فإن المفروض أن المسلمين هم أرقى الأمم، ولكن إن فروض الدين لا تؤدي إلى التقدم ما لم نأخذ بأسباب هذا التقدم، فالله تعالى قد جعل التقدم الدنيوي مباحاً لكل من أخذ بأسبابه بغض النظر عن ميوله واتجاهاته بل وبغض النظر عن دينه، وأرجو أن يكف الكاتب عن أسلوب خلط الأوراق.

   بعد ذلك نرد على ردود الكاتب على مقولة أن الله ابتلى الغرب بالإيدز عقاباً له على انحلاله، وسوف نرد على الردود بنفس ترتيبها فنقول:

أولاً: يقول الكاتب إن الغرب ليس كله منحلاً، وإنما فيه (مجتمعات) ملتزمة تعمل وتجتهد وتحظى بثمار عملها والرد على ذلك بسيط جداً وهو استعمال الكاتب لكلمة (مجتمعات) والصواب أنها (فئات وطوائف) قليلة وسط المجتمعات الغربية.

ثانياً: يقول الكاتب: يا سلام علينا نحن، وأهل الحجاب والنقاب والعباءات في الخليج والسعودية، هل هم نموذج للتقوى (بلا خيبة) والرد على ذلك هو أن الحجاب كما قلنا فرض ديني عادي لا يؤول عليه أي شيء من أمور الدين أو التقوى، وأرجوا من الكاتب أن يعود إلى تشبيه الحجاب بالصلاة في كل مرة تسول له نفسه أن يسيء إلى الحجاب، هذا شيء، الشيء الآخر هو: هل من اللائق بكاتب كبير مثل إبراهيم عيسى أن ينحط أسلوبه ليقول:(بلا خيبة)؟

ثالثاً: يقول الكاتب إن الله الذي ابتلى الغرب بالإيدز هو الذي سوف يهديهم إلى اختراع  علاج له  لعل  حججنا  ضد  الغرب تخفت بعدها...والرد على ذلك: هل يعني قولك هذا يا سيدي أنك تؤيد انحلال الغرب ولا تعتقد أن الإيدز هو عقاب الانحلال؟ ألم تسمع قول الرسول S بأنه لا تشيع الفاحشة في قوم إلا أصابهم الله بأوجاع وأمراض لم تكن في سابقيهم؟ إن هذا الحديث يعني وبكل صراحة أن الإيدز هو عقاب الانحلال الأخلاقي، والدليل على ذلك هو أن الإيدز لا ينتقل بأية وسيلة من وسائل العدوى العادية وإنما ينتقل أساساً عن طريق العمليات الجنسية،وهي الطريقة الغالبة في انتقاله، فإذا أضفنا أنه يمكن أن ينتقل أيضاً عن طريق انتقال الدم من المريض إلى السليم وهو ما يحدث غالباً في حالة استخدام حقن مشتركة بين عدد من الأفراد وهو ما يحدث بين مدمني المخدرات (لأن الحقن المستخدمة لحقن الأدوية غالباً ما تستعمل لمرة واحدة ويراعى فيها النظافة وعدم التلوث بأي ملوث كان) فسوف نستنتج إذن أن الإيدز بالفعل هو عقاب لكل من مدمني المخدرات ومدمني الجنس.

   وحتى لو توصل الغرب إلى علاج لهذا المرض،فإن كل ما سوف يعنيه ذلك هو انتهاء فترة العقوبة بهذا المرض، ويمكن تشبيه هذه الحالة بمجرم حكم عليه بالسجن، إذ أنه لا يشترط للإفراج عن هذا المجرم أن يثبت إقلاعه وتوبته عن سبب إدخاله السجن، وإنما يشترط في ذلك فقط انتهاء مدة العقوبة، وكم من مجرم خرج من السجن أكثر إصراراً على الجريمة مما كان عليه قبل دخوله...

   ولكن انتهاء فترة العقوبة بمرض ما لا تعني بالضرورة رضى الله عن المعاقبين، ولا تزال ترسانة الخالق مملوءة، وفي كل يوم يظهر فيروس جديد، وفي كل يوم يظهر مرض أو سرطان جديد، والمدهش أن معظم هذه الأمراض تكون أسلحة (موجهة) إلى فئات بعينها، على سبيل المثال سرطان الجلد وهو من أخطر أنواع السرطان، سببه هو نفاذ الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس بكميات كبيرة إلى جسم الإنسان مباشرة وهو ما يحدث بصورة مثالية إذا خرج الإنسان على شاطئ البحر عارياً.

   هل رأيتم سلاحاً أكثر دقة من هذا،إن الله هو الذي ابتلى الغرب بأمراض الإيدز وسرطان الجلد وغيرها، وهو الذي قد يشاء في لحظة أن يجد الغرب علاجاً لأحد الأمراض وهي مكافأة طبيعية لجهـد العلماء، ولكن المنحلين لهم عقوبتهم أيضاً، فلا تزال ترسانة الأمراض مملوءة، وسوف يصاب الغرب بأمراض لا نسمع عنها ولا نتخيلها (لاحظ أن العلماء يكونون قمة الالتزام الأخلاقي حتى في أحط الدول أخلاقاً) ولا تقتصر عقوبة الله على الأمراض بل إن هناك عقوبات أخرى، فالسويد مثلاً هي أكثر دول العالم انحلالاً، وفي السويد لا تخجل البنت من دعوة عشيقها إلى غرفة نومها وأبوها نائم في الغرفــة المجاورة، وإذا استيقظ الرجل ليجد ابنته مع عشيقها داخل غرفة النوم فإنه لن ينزعج بل إنه قد يدعو هذا العشيق لمشاركته في الإفطار على أن يدفع قيمة إفطاره بالطبع..ولكن السويد يا سيدي هي أكثر دول العالم في نسبة العنف وأيضاً في نسبة الانتحار والجنون ، لماذا؟ هنا نجد أنفسنا أمام عقوبة أخرى هي عدم الاستقرار، واليأس من الحياة لأقل سبب، وتفاهة الحياة، وقد لا تصدقني لو أخبرتك أن الفتاة هناك قد تنتحر إذا ماتت قطتها.

   إذن فالله ليس غافلاً عن هؤلاء المنحلين ولكنه يفاجئهم بالعقوبات والبلايا من حين إلى آخر، ثم قد يشاء بعد ذلك أن يرفع العقوبة عنهم لا لشيء إلا لإثبات قدرته وأيضاً لمكافأة جهد العلماء(خاصة أن علماء غير المسلمين ينالون كافة أجرهم على أعمالهم في الدنيا) وهكذا فإن الله لو رفع كابوس الإيدز عن الغرب فلن يكون ذلك بسبب رضاه عنهم أبدا.

   أما عن تقدم الغرب فذلك لأنهم قد أخذوا بأسباب التقدم، ولو أخذنا بها نحن لتقدمنا،فالتقدم والرخاء في الدنيا يعطى لمن يأخذ بأسبابه ولا مجاملة من الله لأحد فيه، ولكن التقدم دون دين وقيم يحميانه يصبح هيكلاً هشاً سرعان ما يسقط، وقد رأينا كيف سقطت  الإمبراطورية  الشيوعية  والتي كان  على  رأسها (الاتحاد السوفيتي) بين غمضة عين وانتباهتها، وسوف يسجل التاريخ أن هذه هي أول مرة تسقط فيها إمبراطورية بهذا الحجم من تلقاء نفسها ودون حرب.

   ولك أن تعلم يا صديقي أن حضارة الغرب التي أنت مبهور بها قد بدأت تنخر نفسها بنفسها، وهي الآن شبه آيلة للسقوط كما سقطت من قبل الإمبراطورية والحضارة الشيوعية، ويتمثل هذا النخر في تفشي الانحلال الأخلاقي، واختلاط الأنساب، وتعدد الجرائم، وانهدام الأسرة التقليدية التي هي وحدة تكوين المجتمع، وغير ذلك.

وقد قال أحد كتاب أوروبا أنفسهم عن أمريكا: إن أمريكا قد انتقلت من مرحلة التخلف إلى مرحلة الانحلال دون المرور بمرحلة الحضارة، إذن فهو يقر أن الحضارة والانحلال وإن كانا يجتمعان كثيراً إلا أنهما لا يتلازمان، وأنه لو وجد الانحلال فلا شك أنه سوف يغلب الحضارة ويقضي عليها، وهو يقرر أن أمريكا قد انحلت قبل أن تصل للحضارة أو بمعنى أصح دون أن تصل للحضارة الحقيقية لأن الحضارة ليست حضارة مادة فقط ولكنها أيضاً حضارة أخلاق، وهذا هو ما يهدد بسقوط هذه الحضارة وسوف تسقط عاجلاً أو آجلاً وعندئذ سوف يعتبر أولو الأبصار إن كانت ما تزال لديهم أبصار.

   بعد ذلك يقول الكاتب بالنص:(...والحقيقة أنها لن تخفت فنحن أسرى القشور والكلام الفارغ، وهل عمرك رأيت كلاماً فارغاً يتقدم؟ أو شعوباً تفصل بين عقائد الناس بملابسها تتقدم؟ لكن من الذي تحدث أصلاً عن التقدم؟ إن التقدم لا يشغل بالهم ولا يتعب عقولهم...).

وأقول:إن التقدم إذا لم تدعمه الأخلاق لا يكون تقدماً حقيقياً، ونحن لم نتقدم لأننا لم نأخذ بأسباب التقدم، وليس لدى شبابنا هدف قومي محدد، فهل تعتقد أن الشاب الذي يتخرج من الجامعة ليجد نفسه على الرصيف هل سوف يفكر في تقدم وهو لا يجد أصلاً وظيفة تمكنه من الزواج وتكوين أسرة؟ وهل تعتقد أن الشاب الذي يشعر بالكبت الجنسي الناتج عن رؤيته للمشاهد الجنسية المختلفة على شاشات التليفزيون والدش والمجلات والصحف بل وحتى الكتب ثم لا يجد ما يمكنه من إشباع شهواته المثارة سوف يفكر في تقدم؟ وهل تعتقد أن شباباً يحلم بالسفر خارج البلاد لا لشيء إلا لينال (الحرية الشخصية المزعومة)سوف يفكر في تقدم؟كلا بالطبع، فكل هذه الأنواع من الشباب فقدت أهم عوامل التقدم وهي الإرادة والعزيمة وروح الانتماء للوطن والاستعداد التضحية بكل غال ونفيس من أجل تحقيق تقدمه ورخائه، وعلينا إذن إذا أردنا التقدم أن نزرع ذلك الهدف القومي العظيم في نفوس شبابنا، وشباب مصر قادر على صنع المعجزات فقط إذا كان لديه هدف وانتماء قومي، ومثالنا على ذلك هو ما فعله العمال المصريون الذين بنوا السد العالي رغم أنف الولايات المتحدة الأمريكية، وما فعله جنود مصر البواسل في حرب أكتوبر المجيدة رغم أنف إسرائيل وأمريكا...

   واسمح لي أن أسألك سؤالاً يا أيها المتباكي على التقدم وأقول: وماذا فعلت أنت لوطنك حتى يتقدم؟ مجرد كتاب تسبُّ فيه الحجاب والمحجبات وتلصق بهن وبمن يدعو للحجاب تهمة الإرهاب والتطرف..هل هذا هو التقدم في نظرك؟

   نعود إلى موضوع اقتران التقدم بالأخلاق..فإذا ألقينا نظرة سريعة على مجتمع أوروبا من الداخل (بغض النظر عن المكانة التي تشغلها دول أوروبا بين دول العالم) سوف نجد أن الانحلال هو السائد، والعنف في كل مكان، والأمان لا يوجد إلا في الأحـلام، ولو سرت في بعض مناطق نيويورك ليلاً فإن الشرطة غير مسؤولة عما قد يحدث لك من قطاع الطرق، وتخيلوا معي:قطاع طرق في أكثر مدن العالم تقدماً ومع بدايات القرن الحادي والعشرين! لماذا؟ لأن التقدم عندهم تقدم مادي بحت لم يتبعه تقدم روحي ولا تطور أخلاقي.

   بعد ذلك يعقب الكاتب فيقول:....أليس أحدهم الذي قال إن الله سخر الغرب الكافر من أجل خدمتنا؟

   ويذكر الكاتب في هامش الكتاب أن هذا الـ(أحدهم) المقصود هو الشيخ محمد متولي الشعراوي...

   والرد على ذلك يتمثل في النقاط التالية:

أولاً: الشيخ بل الإمام محمد متولي الشعراوي رحمه  الله  وأحسن  إليه وغفر له كان من أكبر علماء المسلمين ليس في مصر وحدها وإنما في العالم كله، ومن العيب في حق هذا الداعية أن نتهمه بأنه (أحد) المتطرفين المتنطعين، فلا ينكر أحد مهما كان أن ينكر ما قدمه الإمام الشعراوي لخدمة الدين، والاختلاف في الرأي لا يبيح لك انتقاص قدر العلماء ورميهم بما ليس فيهم، كما أنه لا يجوز أن تهمله بهذه الطريقة وتكتفي بالتنويه عنه في هامش الكتاب.

ثانياً: قبل أن تبادر باتهامك للشعراوي عليك أن تحاول فهم وجهة نظره، فالشعراوي عالم عظيم قد يصعب عليك في بعض الأحيان فهم ما يريد إلا إذا سمعته بتعمق وتركيز شديدين بالرغم من محاولات الشعراوي المستمرة لتبسيط ما يقول، والواقع أن الأمر لا يحتاج إلا إلى لحظة تفكير حر دون عناد، فالشعراوي قد فسر مراده من قوله في لحظتها وهذا المراد يشمل ما يلي:

1. الغرب يخدم المسلمين من ناحية حفظ القرآن كنص، فنحن نرى ونسمع ونقرأ عن اهتمام الغرب بالقرآن بطريقة غريبة مع محاولاتهم المستمرة لهدم هذا الدين، فمطابع الغرب تطبع كتاب الله وهي تحرص في طباعته على الدقة المتناهية وتراجع النسخ الصادرة ربما أفضل مما تفعل مطابعنا نحن، ومؤخراً ظهر القرآن كله في صفحة واحدة لكاتب ألماني غير مسلم، ثم ظهر برنامج كمبيوتر عن القرآن الكريم من إنتاج شركة مايكروسوفت الغربية الأمريكية وهو برنامج فاق في إمكانياته جميع البرامج العربية التي تناولت القرآن، إذن فالغرب على الرغم من أنه لا يؤمن بالقرآن إلا أنه يخدم القرآن ويحفظه ويطور أساليب دراسته وحفظه، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر  وإنا له  لحافظون}  وقد  سخر  الله  لخدمة كتابه  العالمَ  كله  مسلمه ونصرانيه وكافره.

2. الغرب يخدم المسلمين من ناحية تأكيد صحة القرآن كمعجزة كلامية خالدة، ولقد أثبتت الاختراعات والاكتشافات الحديثة صدق القرآن منذ أربعة عشر قرناً، بل إن الشعراوي نفسه يقول إن جميع ما اكتشفه العلماء من اكتشافات إنما تخـدم حرفاً واحداً من حروف القرآن هو حرف السين في قوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أَوَلم يكف بربك أنه على كل شيءٍ شهيد}

3. الغرب يخدمنا عن طريق الاختراعات التي نستفيد منها في نشر الإسلام ذاته مثل وسائل الإعلام والاتصالات وغيرها.

4. عندما قال الشعراوي هذه الكلمة كان يتعرض لتفسير بعض آيات القرآن ولم يكن الحديث عن التقدم هو موضوع الآية،ولكن للشعراوي أحاديث أخرى يدعو فيها إلى الإسلام الحقيقي الذي يوجب طلب العلم ويوجب العمل ويهيئ البنية الأساسية للتقدم والرخاء،وأرجو ألا يكون الكاتب مثل شخص يقرأ قوله تعالى{يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة} ويستنتج أن الله نهى في كتابه عن الصلاة لكنه يغفل بقية الآية وهي قوله تعالى{وأنتم سكارى} فلا بد أن تعرف موضوع الحديث وسبب قول الشيخ الشعراوي لهذه الكلمة قبل أن تعترض عليه.

ثم يتجه الكاتب إلى جهة أخرى من الرد على الشيخ الشعراوي فيقول:(...لكنه نسي أن الغرب هو الذي يحكمنا ويتحكم فينا، فهو يخدمنا لكننا نمسح له الأحذية السياسية،  من أول الإخوان المسلمين الذين فروا للغرب....)إلى آخر ما قال.

   ونرد ونقول:

أولاً: الغرب يحكمنا لا لأننا طبقنا الحجاب ولكن لأننا اعتقدنا أن الإسلام هو الحجاب ونسينا بقية الدين، فالإسلام عقيدة وسلوك وعمل، ولا بد من تطبيقه كله، والإسلام هو الذي وضع الأسس لتكوين مجتمع متقدم راقي ولكننا للأسف أهملنا هذه الأسس، والمطلوب ليس خلع الحجاب ولا التقليل من شأنه، ولكن المطلوب هو الاهتمام بالإسلام ككل لا يمكن تجزئته، بمعنى أن نهتم بكل فروض الدين من أمانة وطلب علم وعمل وصدق و..الخ، وأعود إلى قول أن المطلوب هو إكمال الناقص لا القضاء على الموجود.

ثانياً: الإخوان المسلمون الحقيقيون ليسو هم من لجأ إلى الغرب ولكنها جماعات متطرفة أنشأها الغرب نفسه من أجل تشويه سمعة المسلمين (وأرجو ألا يعتقد أحد أنني أؤيد الإخوان المسلمين الحقيقيين الذين أنشأ جماعتهم الإمام حسن البنا تأييداً كاملاً، فأنا وإن كنت أؤيد بعض ما جاءوا به إلا أنني أؤمن بأن الإسلام دين عام لكل المسلمين وليس دين التجمعات والأحزاب، كما أنني أؤيد رأي الإمام الراحل محمد متولي الشعراوي إذ يقول إن الإخوان المسلمين بدخولهم ميدان السياسة تحولوا إلى حزب سياسي له مؤيدين ومعارضين وكان المفروض ألا يفعلوا ذلك،وأن يستمروا على ما بدءوا عليه من دعوة عامة للمؤاخاة والتعاون بين المسلمين، ولو استمروا عل ذلك لأتتهم السياسة والسلطة دون أن يطلبوها).

   ثم يقول الكاتب: ارحموا الحجاب من تطرفكم ودعوا من ترتديه ترتديه لأنها تريده لا لأنها تنساق وراء إرهاب فكري وديني، وأنا أطمئن الكاتب بأن أغلب المحجبات مقتنعات به تماماً ، فلا تخش عليهن إرهابا أو شيئاً من هذا القبيل.

   ثم ينتقل الكاتب فجأة إلى موضوع أعتقد في قرارة نفسي أنه الغرض الرئيسي من تأليف الكتاب فيقول إن كثيرين قد وَلْوَلُوا على قرار وزير التعليم بتوحيد الزي المدرسي الذي صدر في يوليو 1994م ووصفوا القرار بأنه منعٌ لارتداء طالبات المدارس للحجاب، وهذا مخالف للشريعة الإسلامية، ويعقب الكاتب رداً على هؤلاء بأن المشكلة هنا مشكلتان:

الأولى: أن الوزير لم يمنع ارتداء الحجاب

الثانية: أن الشريعة الإسلامية لم تأمر بارتداء الأطفال للحجاب

   وسوف أؤجل الرد على هذا الكلام كله قليلاً لأن الكاتب ذكر نفس هذا الكلام فيما بعد.

   المهم، يقول الكاتب أن لديه دليلاً على أن التطرف يحكمنا ويقودنا مثل العميان، وهذا الدليل هو الضجة التي أثارها قرار وزير التعليم إلى الحد الذي رأينا فيه مؤتمر الدعاة الذي نظمته وزارة الأوقاف (وهي في كل مرة تحاول أن تكحلها فتعميها)....

   ولن أكمل ما قاله الكاتب الآن بل سوف أتوقف هنا عند اتهام الكاتب لوزارة الأوقاف وأقول إن وزارة الأوقاف المصرية من أشهر وزارات الأوقاف في العالم الإسلامي بالالتزام بالدين الحنيف، وعلماؤها من أكبر علماء المسلمين، وأنا أندد بشدة بهذا التطاول الواضح على وزارة الأوقاف والتي يعلم الناس في كل أنحاء  الأرض  قدرها  وقدر علمائها، وحتى  بافتراض  خطأ  الوزارة  في الاعتراض على قرار الوزير (وهو أمر سوف نفنده بعد قليل) فإنه لا يجب أن نتهمها بأنها في كل مرة تحاول أن تكحلها فتعميها.

   نعود إلى ما قاله الكاتب عن مؤتمر وزارة الأوقاف إذ يقول الكاتب:[....إلى الحد الذي نرى فيه مؤتمر الدعاة الذي نظمته وزارة الأوقاف (وهي في كل مرة تحاول أن تكحلها فتعميها) يعلن احتجاجاً عنيفاً على قرار منع الحجاب بالمدارس، وقال إن الدعاة قد طلبوا من د.يوسف والي الذي شارك في المؤتمر أن يبلغ المسؤولين في الدولة وأن يبلغ مجلس الوزراء اعتراضهم على القرار،وقال إن مجلة آخر ساعة قد وصفت القرار في يوم 24/7/1994م بقولها: (وزير التعليم أفلت من مساءلة  العلماء  والدعاة له)، وأيضاً  قال  أحد  الدعاة: (إذا لم يتم تدارك هذا الخطأ،وإلغاء هذا القرار فإنني سوف أهاجمه من فوق منابر مصر) وكذلك: (ولا يقوم به إلا من يقصد محاربة الإسلام وسيجد كل رد حاسم من الدعاة).

   كما يقول الكاتب إن الأمر لا يتوقف عند دعاة مصر بل يصل إلى ندوة العلماء(صاحبة فتوى قتل فرج فودة) حيث يقول أمينها العام في مقال بجريدة الشعب (...فهل في وسع وزارة الداخلية أن تحضر حراسة لتنفيذ القرار في كل مدرسة ؟)، فالرجـل يرى أن تنفيذ القرار سيغضب الناس، مما يؤدي إلى تصاعد العنف في المدارس، وكل ما سبق أن ذكره الكاتب من أقوال العلماء هي حقائق حدثت بالفعل ولا شك في ذلك، ولكنني سوف أؤجل تعليقي إلى ما بعد ذلك.

   ثم يقول الكاتب إن القرار باختصار هو قرار يفرض زياً موحداً بشروط ورسوم كروكية لكل زي لكنه يشتمل على نص يقول بأنه إذا أرادت أي فتاة ارتداء الحجاب فعليها التقدم بطلب مكتوب من ولي أمرها للموافقة على ارتدائها الحجاب.

   ثم يقول الكاتب: ماذا أتعب الدعاة (جزاهم الله عن المتطرفين خيراً) ما الذي جعلهم - مع فريق من المتطرفين يتسع ويتسع - يولولون على قرار الوزير رغم أنه لم يمنع الحجاب؟ القرار قال إنه لا بد من موافقة ولي الأمر، ما الذي يغيظ في هذا الموضوع؟

  وقد حان الآن وقت ردنا الذي أجلناه عدة مرات، ونحن نرد قائلين:

أولاً: إن غضب العلماء لم يكن منبعه أن الوزير منع ارتداء الحجاب ولكن لأن قرار الوزير قد اعتبر أن الأساس هو خلع الحجاب وأن الحجاب هو الشاذ الذي يحتاج موافقة ولي الأمر، ولو كان الوزير يريد حقاً مراعاة الشريعة في حكمه لقال إنه بالنسبة لطالبات الابتدائي والإعدادي فلهن مطلق الحرية، أما بالنسبة لطالبات الثانوي وجميعهن من البالغات اللاتي يجب عليهن الحجاب فإن الحجاب يكون جزءاً من الزي الرسمي ولا يخلع إلا بإذن ولي الأمر، أي أن الإذن يجب أن يؤخذ في الخلع لا في الارتداء لأن ارتداء الحجاب هو الأصل في الدين.

ثانياً: إن فكرة رضى ولي الأمر عن حجاب ابنته فكرة تافهة لا معنى لها، ذلك أن ولي أمر الطالبة يراها وهي تخرج للمدرسة محجبة، ولو كان غير راضٍ عن ذلك لمنعها من ارتدائه وهو قادر على ذلك،ولو أن قرار الوزير يقصد محاربة المدرسين الذين يفرضون الحجاب على بنات فصولهن فإن القرار لن يغير شيئاً، إذ أن والد الطالبة في هذه الحالة سوف يضطر للموافقة على كتابة الإقرار رغم عدم اقتناعه حرصاً على مصلحتها وخوفاً من المدرس، إذن فالقرار لن يغير شيئاً سوى إغاظة العلماء و ( تطليع روحهم ) واعذروني إن انحط أسلوبي إلى العامية قليلاً فقد تعامل الكاتب بنفس الأسلوب العامي ولم نجد بأساً من الرد عليه بالمثل.

ثالثاً: إذا كان بعض المدرسين قد فرضوا على تلميذاتهم الحجاب ونفذته البنات خوفاً من أعمال السنة ، فقد ألغي النظام القديم لأعمال السنة الذي كان يضع الدرجة كلها في يد المدرس، ولم تعد للمدرس على الطالب أية سلطة، وعلى فكرة ، لقد أصبحت مدارسنا الآن فوضى بمعنى هذه الكلمة، إذ أن الطالب لم يعد يخيفه من أستاذه ضرب ولا أعمال سنة، كما أن حرص المدرسين على جذب الطلبة للدروس الخصوصية أسقطهم من نظر الطلبة فلم يعد لهم عندهم احترام ولم تعد كلمتهم مسموعة كما كانت في الماضي.

رابعاً: لقد حدث من قبل أن مديرة إحدى مدارس البنات دعت الطالبات لارتداء الحجاب وأقنعتهن به دون إرغام منها، فما كان من المسؤولين إلا أن أحالوا هذه المديرة للتحقيق، وثارت الطبقة المنافقة من الكتَّاب تبارك أفعالهم الميمونة في محاربة الإرهاب، لماذا؟ لأنهم تصدوا بمنتهى الحسم والحزم لهذه الإرهابية.. وكأننا نعيش في دولة يحكمها قانون بوذا ولا تدين بالإسلام، فقد أصبحت الدعوة السلمية الحوارية الإقناعية إلى طاعة الله إرهاباً، بينما أصبحت الدعوة إلى المعصية ومسايرة أحدث ألوان الموضة الفرنسية تقدماً وتمدناً وحضارة..

خامساً: أرجو عدم التطاول على دعاة وعلماء المسلمين،فالكاتب يقول: (جزى الله الدعاة عن المتطرفين خيراً)، وهي عبارة فيها من التلميح ما يوحي بأن علماء ودعاة الأوقاف يوالون الإرهاب والتطرف، وأنا أقول للكاتب: إذا كان علماء الدين في نظرك موالين للتطرف فأين إذن المسلمون الحقيقيون؟ وممن نأخذ أمور ديننا؟ إن اتهامك للعلماء لو كان صادقاً فإنه لن يبقى لنا أحد نأخذ منه إسلامنا وعلمنا الديني سوى نجوم السينما والمسرح، فهل هؤلاء يمثلون صورة للمسلمين يحتذى بها؟ أليست إحداهم (ولا داعي لذكر أسماء) قد نشرت مقالاً في إحدى الصحف تقول فيه إن الإسلام لم يتدخل في لباس المرأة وأنه لا يوجد نص في القرآن يحدد للمرأة ما تستره، فأنا يمكن أن أرتدي الحجاب أو المايوه، المهم أن أستر العورة‌‌‍...لكنني لا يجوز لي أن أرتدي النقاب لأنه تطرف... ولن نعلق على كلام هذه الممثلة لأن مجرد الرد عليها تكريم لا تستحقه.

   وبعد ذلك يقول الكاتب: (تعالوا معاً لنفرز الغث والثمين في هذه القضية المثارة من (دعاة) الأوقاف و (دعاة) التطرف)، ويعقب الكاتب بعدة نقاط نرد عليها بنفس ترتيبها كما يلي:

أولاً: يقول الكاتب إنه لا يوجد نص ديني في القرآن أو السنة يفرض على طفلة ارتداء الحجاب، فالحجاب لا يجب إلا على التي تبلغ المحيض، والمحيض يأتي في نهاية المرحلة الإعدادية وأحياناً في الثانوية العامة،وأرد فأقول: إن القرار لم يقتصر على طالبات الابتدائي بل يشمل جميع طالبات المدارس بما في ذلك طالبت الثانوي والإعدادي اللاتي أقر الكاتب نفسه وجوب الحجاب عليهن.

ثانياً: يقول الكاتب:(قولوا لي بالله عليكم، ماذا سيستفيد الإسلام من ارتداء طفلة الحجاب؟ هل،كما قال أحدهم، اتقاءً للفتنة؟ ألا يستحي هؤلاء من الله قبل أن يستحوا منا؟ هل ظهور شعر البنات الصغيرات إلى هذا الحد يثير الغضب عندهم...والفتنة لديهم....

   ونرد فنقول:

1. القرار يشمل الطالبات جميعاً حتى نهاية المرحلة الثانوية.

2. جميع الأعمال الدينية حتى الصلاة لا تجب إلا بعد البلوغ ومع ذلك فقد أمرنا الرسول أن نأمر أبناءنا بالصلاة لسبع وأن نضربهم عليها لعشر..وذلك بغرض التدريب لهم على أداء الصلاة والالتزام بها، وقياساً على ذلك يمكننا القول إنه شيء جميل أن يتم تدريب الفتاة منذ طفولتها على ارتداء الحجاب مع إقناعها حسب مستوى تفكيرها بوجوبه لكي تشب مقتنعة بالحجاب محبة لزيها الإسلامي، وقديماً قال العرب:التعليم في الصغر كالنقش على الحجر والتعليم في الكبر كالنقش على الماء...فإذا تركنا البنت تلبس ما تريد من قصير وضيق وشفاف ثم أمرناها بالحجاب فوراً بعد بلوغها..فهل من السهل إقناعها عندئذٍ؟

ثالثاً: يقول الكاتب إن الإسلام ليس فيه قهر وجبر، والحديث الوحيد الذي ذكر فيه الضرب هو تعليم الصلاة، وحتى هذا الحديث لا يعني أن يضرب الأب ابنه صباح مساء إذا كان لا يصلي، بل يدعوه بالحسنى والإقناع، ومن هذا المنطلق يستنتج الكاتب أنه لم يأت ذكر لضرب البنات اللاتي لم يبلغن المحيض إذا لم يرتدين الحجاب فضلاً عن أن الحجاب ليس واجباً عليهن أصلاً.

   ونرد فنقول:

1. لماذا يصر الكاتب على ذكر البنات اللاتي لم يبلغن المحيض مع أن قرار الوزير شمل الجميع؟

2. إذا سلمنا بأن الإسلام ليس فيه قهر وجبر وهو أمر صحيح لا جدال فيه، فلماذا إذن تدخل الوزير في الشؤون الدينية للطالبات؟ ولماذا تعامل بمنتهى القسوة مع مديرة المدرسة التي دعت طالباتها إلى الحجاب دون إكراه منها؟ إن الواقع عكس ما تقول يا سيدي، والدليل الذي جئت به ليؤيد كلامك هو في واقع الأمر دليل يؤيدنا نحن في ردنا عليك.

رابعاً: يقول الكاتب: [لقد أنتجت كليات التطرف(التربية سابقاً) مدرسين ومدرسات قرروا استغلال حاجة البنات لدرجات أعمال السنة وامتحانات الشهور لفرض الحجاب عليهن إرهاباً ورهبةً، وكان كل مدرس منتمٍ للتطرف يقود فصله كله للحجاب والبنات مستسلمات دون نقاش (متى ناقش أحدٌ أحداً في هذا البلد؟) فهل السادة دعاة الأوقاف ودعاة التطرف يريدون أن يستمر هذا الإرهاب أم أنه حرصاً على أنه لا إكراه في الدين يستحسن أن يكون قرار ارتداء الحجاب (وهو غير ملزم) نابعاً من إرادة الفتاة وموافقاً عليه أبوها وولي أمرها، أي يكون القرار حرَّاً حقيقياً ومكفولاً برعاية واهتمام وموافقة العائلة (وبالنسبة إذا رفض والد الفتاة غير البالغة ارتداءها الحجاب فلا يجب عليها مخالفة والدها أبداً)...]

   ونرد فنقول:

1. أنا أرفض بشدة وصف كليات التربية بأنها كليات تطرف، إذ ما ذنب الآلاف المؤلفة من الطلبة الذين يتخرجون كل عام من كليات التربية لكي يوصفوا بهذا الوصف لمجرد أن بعض الطلبة (المتطرفين في الأصل) قد تخرجوا منها..

     لقد أقيم حفل راقص في كلية الآداب بإحدى الجامعات في العام الدراسي95/1996م وهو حفل حدثت فيه من التجاوزات ما لا يتصور عاقل أن يحدث في مثل هذا الصرح الجامعي لدرجة أنه تم استئجار ثلاث راقصات محترفات كما رقصت الطالبات وهن يرتدين (ميني جيب)، فهل هذا الحادث يعطي لأحد مبرراً لكي يصف كلية الآداب بأنها (كلية الرقص والخلاعة)؟

2. بالنسبة لأعمال السنة التي كان بعض المدرسين يستغلونها للضغط على تلاميذهم لكي يأخذوا عندهم دروساً خصوصيةً أو لإرغام الطلبة على أفعال معينة منها إرغام البنات على الحجاب.....فإن نظامها قد تغير، وقد سبق أن ذكرنا أن معظم سلطة المدرس على الطالب قد أصبحت في خبر كان.

3. حتى لو فرضنا جدلاً أن المدرس لديه من السلطة على الطالبات ما يمكنه أن يأمر البنات بالحجاب ويتوعد بالإيذاء من لا تتحجب، فهل سوف يتركها أبوها أو ولي أمرها تواجه هذا المدرس؟ كلا بالطبع، وسوف يأتي ولي أمرها إلى المدرسة بنفسه ليقر بموافقته على ارتداء ابنته الحجاب حرصاً على مصلحة ابنته أي أن القرار لن يغير شيئاً سوى إغاظة العلماء والدعاة وإثارتهم .

4. هل تعتقد فعلاً يا سيادة الكاتب أنه يمكن أن يرغم أحد المدرسين اليوم الطالبات على ارتداء الحجاب دون أن يشتكيه أولياء الأمور وتنقلب عليه الصحافة ويستعرض عليه وزير التعليم كل قانون العقوبات؟ إن وزير التعليم قد عاقب بمنتهى القسوة مديرة مدرسة بنات أقنعت الفتيات بارتداء الحجاب بالرغم من أن أحدا من أولياء الأمور لم يتقدم إليه بشكوى وإنما الأمر كله كان من تفجير الصحافة التي ادعت زوراً وبهتاناً أن هذه المديرة قد هددت وتوعدت من لا تتحجب بالعقاب، ولم يتراجع الوزير وأصحاب الحملة الصحفية إلا بعد أن وقف علماء الأزهر مع هذه المديرة كما وقف معها أولياء أمور الطالبات الذين أقروا أنها لم ترغم أحداً من الطالبات على الحجاب.

5. بالنسبة لفكرة أن القرار يعني أن يكون الحجاب نابعاً من الفتاة وبموافقة والدها أو ولي أمرها، فهي حجة تافهة جداً، إذ أن الحجاب ليس ذلك الشيء الذي يحتاج إلى إقرار من ولي الأمر حتى يطمئن سيادة الوزير أن ولي الأمر يعلم بأمر الحجاب ويرضى به، فكما قلنا سابقاً أن ولي أمر الطالبة يراها وهي ترتدي الحجاب أو لا ترتديه ولو أمرها بعكس ما تفعل فإنها سوف تطيعه.

6. يقول الكاتب:(متى ناقش أحد أحداً في هذا البلد؟) وأقول له: يا سيدي نحن لا نعيش في عصر الدكتاتورية، وقبل أن تفرض كلامك على الورق عليك أن تنظر إلى المجتمع من حولك....إن الطالب يناقش مدرسه، والمرؤوس يناقش رئيسه ويعترض عليه، والصحف المصرية مملوءة بالاعتراضات والانتقادات للحكومة بل ولرئيس الجمهورية شخصياً، والشعب لم يعد مغمض العينين يسير وراء أي فكر يأتيه...بل إن مجرد انتقاد العلماء لقرار الوزير وهو ما اعترضتَ أنت عليه لهو أكبر دليل على حرية الفكر في زماننا المعاصر، راجع نفسك قبل أن تلقي اتهاماتك جزافاً.

7. يقول الكاتب إن والد الفتاة لو أمرها بعدم الحجاب وهي لا تزال طفلة فإنه يجب عليها طاعته، وهو كلام صحيح، ولكن يا سيدي إن العكس صحيح أيضاً..فلو أمر الوالد ابنته غير البالغة أن تتحجب فإن عليها أيضاً أن تطيعه،وأرجو ألا يصر الكاتب على اعتبار أن خلع الحجاب هو القاعدة وأن ارتداءه هو الاستثناء، أما بالنسبة للفتاة بعد بلوغها فإن الحجاب يصبح فرضاً عليها وعندها لا تكون هناك طاعة للمخلوق (حتى الوالد) في معصية الخالق، ولكن هذا لا يعني أبداً التحريض على عقوق الوالدين ، بل يجب إرضاؤهما وطاعتهما قدر الإمكان مع أداء أوامر الله واتباع شرائع الدين.

8. إذا كان الكاتب(قلبه على البنات)اللاتي أرغمن على الحجاب خوفاً من الأساتذة،فلماذا لا يكون(قلبه على الطالبات الجامعيات) اللاتي أكرههن بعض الأساتذة على فعل أمور منافية للآداب،وقد حدث هذا بالفعل من بعض أساتذة الجامعة في مصر، وفي أغلب الحالات كانت البنت ترضخ لمطالب الأستاذ لأن هذا الأستاذ ليس فقط في يده أعمال السنة وإنما في يده السنة كلها بل ومستقبلها كله ويستطيع بإشارة من يده أن يحكم عليها بالفشل التام في دراستها؟ لماذا يكبِّر الكاتب موضوع إرغام المدرسيـن الفتيات على الحجاب و يجعلها ظاهرة عامة رغم أنها لم تحدث إلا في حالات معدودة محدودة تم رصدها ومعاقبة فاعليها، في حين أن موضوع إكراه أساتذة الجامعة لبعض الطالبات هو موضوع أخطر وأشد وطأة، ولماذا يصر الوزير على تقليل سلطات المدرس حتى كاد لا يملك أية سلطات بينما لا أحد يستطيع أن يمس سلطات أستاذ الجامعة وكأنه رسول أو ملك منزل من السماء؟

خامساً: يقول الكاتب:(..يرى البعض أن قرار الزي الموحد يدخل في الحرية الشخصية للفتاة ، ولقد احترنا واحتار دليلنا مع أنصار التطرف، فإذا قلنا حرية يقولون-أقصد يصرخون-لا، وإذا صدر قرار لا يعجبهم يقولون-أقصد يصرخون-أين الحرية؟ والحقيقة أن الحرية مظلومة مثل الإسلام لدينا بالضبط ، فالحرية الفعلية هي ترك الفتاة تقرر بعدما تعرف وتقرأ وتسمع كل الآراء والخلافات وتناقش وتجادل ثم بعد ذلك تقول كلمتها،لا أن تسمع كلام مدرسها وتصدقه وتسير عليه.. ثم إذا كانت الحكاية حكاية حرية فاتركوا الصغار أحراراً حتى يكبروا أحراراً فيقررون أحراراً.....وإذا كانت الحكاية حكاية حرية فلماذا تصمون غير المحجبات بالمتبرجات العاصيات؟ ثم متى عرفتم حكاية الحرية هذه؟...)

   ونرد فنقول:

1. يريد الكاتب أن يصف كل العلماء الذين عارضوا القرار بالمتطرفين مع أن أغلبهم ليس كذلك.

2. يريد الكاتب أن يثبت التناقض في رأي دعاة الإسلام (الذين وصفهم بالتطرف) والحقيقة أن التناقض لم يأت من جانب الدعاة وإنما جاء من الجانب الآخر..

   فإذا نظرنا من زاوية أخرى لوجدنا تناقضاً شديداً في أمر المثقفين و رجال السياسة في بلادنا، فهم من جهة يقررون مبدأ الحرية الشخصية، ومن جهة أخرى يضعون قرارات ويشنون حملات تحد من الحرية الشخصية إذا كانت ضد ما يريدون ، ولو أن فتاة خرجت إلى الشارع بالمايوه فلا بأس...لكن أن تخرج منقبة فهذا ممنوع، أن تذهب للمدرسة محجبة فهذا مكروه ولا بد من معرفة من ذلك المتطرف الذي جعلها تتحجب...

   وليس ما أقول بدعاً من القول ولا خيالاً روائياً ، فقد ظهرت بالفعل في جامعة القاهرة أعرق الجامعات العربية موضة تسمى (البودي النص)،وهي عبارة عن (بلوزة) تحدد بالكامل كل ملامح وتفصيلات الجسم، وكأنها مجرد دهان وضع على جسم البنت، ليس هذا فحسب بل إن هذه (البلوزة)لا تنتهي حيث تبدأ (الجيبة)في منطقة الخصر،بل تنتهي فوقها،وتفصل بينهما منطقة من الجسم يختلف حجمها باختلاف طول (البلوزة) وهذه المنطقـة بالطبع تكون عارية تماماً..صحيح أنهم في التليفزيون قد اعترضوا على هذا النوع من الملابس الذي هو أقرب إلى بدلة الرقص منه إلى لباس طالبة جامعيـة، ولكن مجرد حدوث هذا الأمر دون اعتراض فوري من الأساتذة وحرس الجامعة بل وحتى دون اعتراض الآباء يبرهن على ما وصل إليه البعض من (الحرية الشخصية) التي لا تحكمها القيود ولا الأعراف ولا الشرائع..

   على الجانب الآخر سمعنا جميعاً عن حادثة تم فيها طرد المنقبات من إحدى المدن الجامعية للبنات في منتصف الليل، كما سمعنا قصة طالبتين كاد المراقبون أن يحرموهما من أداء امتحان الثانوية العامة بسبب أنهما منقبتان على الرغم من أنهما قد عرضتا على المراقبين أن تكشفا وجهيهما لمراقِبَـةٍ أنثى للتأكد من شخصيتهما، ولولا رحمة الرحمن لضاع مستقبلهما بسبب نقاب ارتضتاه وعملتا به عن اقتناع، فأين إذن الحرية الشخصية هنا (مع ملاحظة أن دولاً غربية مثل كندا قد أعلنت احترامها لحرية المسلمات في ارتداء النقاب وقننت وسائل أخرى للتحقق من الهوية مثل اختبار التوقيع والبصمة وغير ذلك، ونحن هنا في دولة إسلامية بل في صرح الإسلام الأكبر لا نسمح بالنقاب مع أنه حرية شخصية لم يوجبها الدين ولم يحرمها حسب رأي معظم علماء مصر).

3. الكاتب يقول إن الحرية هي اتخاذ القرار بعد المعرفة وليس سماع كلام المدرس وتنفيذه، وأكرر أن هذا لم يحدث إلا مع قلة قليلة من المدرسين..وقد انتهى هذا الآن تماماً بانتهاء العمل بنظام أعمال السنة – حسب النظام القديم.

4. بالنسبة لمسألة الحرية الشخصية في الإسلام فإننا نقول إن الإسلام قد كفل للمسلم حرية شخصية ولكنه لم يجعلها حرية مطلقة بل جعلها حرية محكومة مقيدة بقيود تكفل للمجتمع عاداته وخصائصه الإسلامية، كما أن حرية المسلم الشخصية تنتهي حيث تبدأ حريات الآخرين، ومقولة الغرب الشهيرة (إذا كان من حقك أن تدخن، فمن حقي أن أستنشق هواء نقياً) قد سبق إليها الإسلام عندما قيَّد الحرية الشخصية بالمصلحة العامة وبحريات الآخرين...

   وإذا أردنا تطبيق مبدأ الحرية الشخصية على الحجاب، نرى أن الشارع لم يضع حداً شرعياً للتبرج أو لعدم ارتداء الحجاب، مما يعطي كل فتاة الحرية في ارتدائه أو عدم ارتدائه،فكل بنت مسلمة حرة في أن تطيع هذا الأمر الإلهي أو تعصيه وحسابها على الله.. ومع ذلك فإن من حق ولي الأمر أن يضع حداً (تعزيرياً) للتبرج وعدم ارتداء الحجاب حسبما تقتضي المصلحة العامة للمسلمين.

5. إذا كان الإسلام قد قنن الحرية الشخصية لكل أفراد المجتمع حتى في اختيار الدين إذ نص القرآن على أنه { لا إكراه في الدين} فإنه أوجب على كل أتباعه ألا يمروا على المنكرات مرور الكرام، بل لا بد من النصح والتواصي بالحق وهو مبدأ عظيم جليل الأثر يعرف في الإسلام باسم (مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وعلى ذلك فإنه من الواجب علينا أن ننتقد ما لا نقره في المجتمع انتقاداً بناءاً وأن نتقبل انتقاد الناس أيضاً بلا تعصب أو مكابرة ، فلا إنسانَ كامل، وجميعنا يخطئ ولكن خير الخطاءين التوابون وشر الخطاءين المصرون، وبالمناسبة فإن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السبب في خيرية هذه الأمة على سائر الأمم.

6. هناك أمر آخر يرتبط بالحرية الشخصية في الإسلام وهو (المسؤولية)، فكلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته، والبنت التي تخرج من بيتها بغير زي إسلامي لا تحاسب وحدها على ما تفعله، وإنما يحاسب أيضاً كل مسؤول عنها ، ويدخل في ذلك أبوها وأمها وأخوها و أساتذتها وكل من كان يستطيع توجيهها إلى الصراط المستقيم ولم يفعل.

7. أما بالنسبة لاعتراض الكاتب على وصف غير المحجبات بالتبرج والمعصية فإنني أقول:

   التبرج هو إظهار المفاتن سواءً بخلع الحجاب أو حتى دون خلعه، لذا فإن غير المحجبة تكون متبرجة أما المحجبة فليست بالضرورة غير متبرجة، وهذا يعني أن الوصف الذي يعترض الكاتب عليه وصف صحيح وهذا أمر ناقشناه من قبل.

   أما وصف غير المحجبات بالمعصية فهو أيضاً وصف صحيح، لأن الحجاب فرض ديني ومن لا تنفذه تكون قد خالفت أمر الله، وبعبارة أخرى تكون قد عصت الله...وكلنا نعصي الله ولكن باختلاف الدرجة.

سادساً: يذكر الكاتب بعض النسب التي جاءت في بحث (المرأة المصرية) الذي قدم لمؤتمر المرأة الذي عقد في يونيو1994م ، وهي أرقام تثبت أن الإناث يقدرون بحوالي نصف المتعلمين في مصر في مختلف المراحل..

   ثم يقول الكاتب إنه ذكر هذه الأرقام لسبب وهو أنه يعتقد أنه نتيجة لتعاظم دور ووجود البنت المصرية في التعليم، فإن التيار المتطرف أدرك استحالة الوقوف ضد تعليم البنت (وهذا رأيه الحقيقي والمعلن) فما كان منه إلا احتواء المتعلمات واستعراض قوته بهن وتقديم صورة متعاظمة لدوره في المجتمع عن طريقهن، عن طريق تحجيب فتيات مصر بالجبر والقسر ،ثم يقول الكاتب:(ولا تنس أن هذه الشريحة السنية هي الخميرة الحية للمتطرفين للتواجد والانتشار في خلايا المجتمع،كما أنها "المفرخة"لكل التنظيمات، زد على هذا زيادة نسبة المدرسات والمعلمات فيا حبذا لو استطاع المتطرفون السيطرة على المدرسات والطالبات وتحجيب الجميع.

   ونرد فنقول:

1. لو فرضنا جدلاً أن هناك تياراً متطرفاً أدرك استحالة الوقوف ضد تعليم البنات فقرر أن يحجبهن جميعاً، فاسمح لي أن أقول لك إن هذا التيار مغفل، لأن حجاب البنت لن يفيد هذا التنظيم ما لم تنضم إليه وتقتنع بأفكاره، وهذه التيارات في غالبها تيارات سياسية تسعى إلى ضم الناس إليها وإقناعهم بمذاهبها ولا يهمها نشر زي أو ملبس، ومعظم هذه التيارات تخطط وترسم وتعرف نتيجة ما تفعل ولذا فلا يعقل أن تتكلف الجهود العظيمة لنشر زي تعلم مسبقاً أنه لن يفيدها بالدرجة الأولى...

2. لماذا يصرُّ الكاتب على تصوير انتشار الحجاب بالقوة والقسر....هل حدث ذلك بالفعل يا سيدي؟؟ وإذا فرضنا جدلاً أن المدرسين قد فرضوا الحجاب على طالباتهم، فلماذا إذن ينتشر الحجاب بين نساء وفتيات المجتمع كله كبيرات وصغيرات؟ ولماذا ينتشر في كل الطبقات وكل الأوساط؟

3. ما الذي يغضبكم من انتشار الحجاب؟ هل كانت فتيات مصر في الستينات وقبل انتشار الحجـاب أحسن حالاً منهن الآن؟ كلا بالطبع، فقد كانت الفتاة تخرج من بيتها بملابس ضيقة وشفافة وقصيرة جداً بحيث كان بعضهن لا يرتدين ما يغطي ركبتهن،وكانت بعض (الجيبات) أقرب إلى الشورت منها إلى الجيبة، فهل انتشار الحجاب والحشمة يغضب سعادتكم؟ هل تريدون نشر الخلاعة والانحلال؟ إن كل ما حدث يا صديقي هو أن الاستعمار وأعوانه من دعاة التحرر والتمدن الكاذب قد أخرجوا البنت المصريـة من مكمنها، وجعلوها تخلع حجابها، ولكن الطبيعة الشرقية والصحوة الإسلامية الكبرى سرعان ما غلبا النزعة الاستعمارية ، وسرعان ما عادت فتياتنا إلى الحجاب، ولكن الاستعمار وأعوانه لم ييأسوا بل قرروا مهاجمة الحجاب ولما فشلوا في منع الرجعة الكبرى للحجاب من جانب الفتيات المسلمات قرروا الدخول إلى الحجاب وإفساده، فمن جهة قرروا تقسيم المحجبات إلى محجبات ومنقبات، وعملوا على إثارة الفتن بين الطائفتين، ومن جهة أخرى تدخلوا في ملابس المحجبات وشيئاً فشيئاً استطاعوا أن يدخلوا في هذه الملابس ما لا يقره الشرع، وبالتالي تحول الحجاب لدى كثيرين من الفتيات إلى مجرد (طرحة) وفقد المعنى الديني الروحي العظيم له، ولكنني على ثقة بأن فتاة الإسلام التي ارتدت الحجاب في زمن (الدش) لقادرة ولو بعد حين على العودة إلى الحجاب الشرعي الكامل والصحوة الإسلامية تمر أحياناً ببعض الأزمات ولكنها تسير دائماً إلى الأمام ولا ترجع للخلف وسوف يظهر هذا الدين يوماً بكل تعاليمه وأحكامه وشرائعه على الدين كله.

4. نحن لا نعترض على خروج البنت للتعلم، بل على العكس ندعو لذلك عملاً بقولهS{ طلب العلم فريضـة على كل مسلم ومسلمة} ولكننا ضد الخلاعة والفجور والاختلاط المحرم، وندعو إلى الحشمة والتي يمثل الحجاب السليم أعلى مراتبها.. ندعو إلى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالإرهاب والتخويف.

5. يقول الكاتب إن الشريحة السنية هي الخميرة الحية للمتطرفين، وإنني أود أن أستفسر عن مراد الكاتب من كلمة (سنية)، فإذا كانت تعني: (أتباع المذهب السني) فأقول إن كل مسلمي مصر سنيون..إذ ليس فيهم شيعة أو ما شابه ذلك، أما إذا كان قصده -وهو ما أعتقده-هو:(الشريحة التي تربي لحاها)فإنني لا أملك سوى الدهشة من اتهام الكاتب العام..إذ كيف نصف كل من  يطلق لحيته بأنه خميرة حية للمتطرفين، إن هذا يعني أن شيخ الأزهر متطرف، وأن داعية العصر أحمد ديدات متطرف، وإذا عمَّمْنا القول أكثر يمكننا القول بأن هذا يعني أن البابا شنودة متطرف، بل ويعني اتهامك العام أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا متطرفين لأن كل هؤلاء كانوا يطلقون لحاهم.......

إن الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين مظاهر التدين ومظاهر الإرهاب هو من أكبر العوامل التي تضعف الوازع الديني لدى بعض الشباب وفي نفس الوقت من أكبر العوامل التي تجذب البعض الآخر من الشباب الراغب في التدين وليس لديه من العلم الديني ما يكفي إلى مز الق الإرهاب، ولو كان لديهم علمٌ دينيٌ سليمٌ لأدركوا أن المتدين تديناً سليماً لا يمكن أن يصبح متطرفاً أبداً..ومعظم المتطرفين هم جماعات من الناس اعتقدوا في أنفسهم التدين ولم يكونوا كذلك..أما بقيتهم فهم يعلمون أنهم غير متدينين، وأن لهم أغرضاً غير دينية من مظهرهم الكاذب.

إن التطرف أساساً هو من صنع أعداء الإسلام لكي يشوهوا صورة التدين الإسلامي وينفروا الناس منه، وإذا لم يكن الغرب هو الذي صنع التطرف الإسلامي فإنه على الأقل هو الذي دعمه وأيَّده وشجعه وآوى أعضاءه وقادته..وللأسف انساق الكثيرون مع أفكار الغرب سواء بالانضمام لهذه التنظيمات، وحتى الذين لم ينضموا إلى هذه التنظيمات فإنهم أيضاً طبقوا جزءاً مما يخطط الغرب له ويرمي إليه، إذ قرنوا بين الدين والتطرف، حتى إن بعضهم يسمي هذه الجماعات المتطرفة (الجماعات الإسلامية المتطرفة) والصواب أنهم جماعات متطرفة غير إسلامية، ولقد انساق الكاتب وراء هذه الأفكار عندما قرر أن كل من يربي لحيته فهو متطرف..

سابعاً: يقول الكاتب إن المعارضون لا زالوا يولولون على أن ترك شعر البنت بدون غطاء رأس فتنة، وما زال الكاتب يقول: (هل البنت في العاشرة من عمرها مغرية لسيادتكم، ومثيرة لفتنتكم؟ ثم إن المدارس الآن في معظمها (ما عدا الابتدائي) مقسمة إلى بنين وبنات (خاصة مدارس الحكومة) فما المغري في الموضوع؟ هل السادة المعارضون قلوبهم على المدرسين؟ اسمحوا لنا هذا مرض(...) مكانه العلاج في المستشفيات..وليس الكلام عن الطالبات...

   ونرد فنقول:

1. لا يزال الكاتب يصر على ذكر البنت الصغيرة مع أن القرار يشمل الجميع.

2. السادة المعارضون ليست قلوبهم على المدرسين ولكن سبب غضبهم كما قلت سابقاً هو أن الوزير قرر أن الأصل في بناتنا هو عدم الحجاب وأن الحجاب هو الاستثناء مع أن العكس بالنسبة للبالغة هو الصحيح..ثم من الذي قال إن المدرسين ملائكة تمشي على الأرض ولا يفتنون بالطالبات؟ ألم نشاهد جميعاً (مفيد فوزي) في برنامج (حديث المدينة) وهو يثير موضوع مدرس البنات الذي كان يمارس مع طالباته بعض الأعمال المنافية للآداب في أثناء الدروس الخصوصية مع أن الدروس كانت في بيت إحدى الطالبات، أي أنه كان يعتدي على البنت في منزل أبيها، صحيح أنه لم يصل معهن إلى درجة الفاحشة الكبرى ولكنه فعل من الأعمال ما لا يقبل عاقل أن يحدث من مربي الأجيال، والأغرب من ذلك هو أنه أقنع الطالبات أن ما يفعله معهن هو في مصلحتهن لأنه يعلمهن ما ينفعهن في مستقبلهن... ومثال آخر سمعناه عن مدير مدرسة بنات كان يستغل أي خطأ يحدث من أي طالبة ويطلبها عنده في المكتب، حيث يقرر عقابها عقاباً صارماً، وطبعاً سوف تعتذر البنت وتستعطفه، وعندها يقرر مسامحتها على أن تأتيه بعد انتهاء اليوم الدراسي لأنه الآن مشغول،وعندما تذهب إليه يرغمها على خلع ملابسها ويقوم بأعمال منافية للآداب معها قد تصل أحياناً إلى الاغتصاب،وبعد ذلك يهددها بالفصل إن تفوهت لأي شخص بما حدث...هذا الذي ذكرناه هي أمثلة بسيطة توضح أن المدرسين أيضاً بشر منهم الصالح والطالح، وعلى هذا فإنه يجب على البنت أن تحتشم وتتحجب في وجود مدرسها وألا تختلي به وحدها مهما كانت الظروف.

3. اسمح لي أنت يا سيدي..إن معارضة الحجاب بهذه الصورة،  وتصور أن كل متدين إرهابي وكل محجبة إرهابية هو الذي يعد مرضاً.....مكانه مستشفى......

ثامناً: يقول الكاتب: [إذا كان منع ارتداء الحجاب في المدارس(كما يردد البعض) مخالفاً للشريعة الإسلامية (وهو ليس كذلك) فإن الجهل والخرافة والتطرف والتعصب والتخلف وعقد النقص ومرض الوله والخوف من الجنس مخالفة للشريعة الإسلامية أيضاً، كما أن البلاهة مخالفة للشريعة الإسلامية أيضاً]

   ولن أرد على هذا الكلام، فالسخافة واضحة وضوح الشمس فيه، ولكنني سوف أعقب بعبارة واحدة هي: إن عقدة الخوف من التطرف والخلط بين التدين والتطرف وعدم التمييز بينهما مخالفة للشريعة الإسلامية أيضاً بل هي من أكبر مخالفات الشريعة الإسلامية لأنها خطأ في حق الإسلام نفسه، وهي تأكيد وتأييد لاتهام الغرب الكاذب الذي يدعي أن الإسلام هو دين الإرهاب الذي انتشر  بحد السيف.

تاسعاً و عاشراً و حادي عشر: يقول الكاتب: (يا ليت مؤتمر الدعاة يجتمع لنا مرة أخرى ليقدم لنا آية واحدة أو حديثاً واحداً يجبر طفلة في الابتدائية على ارتداء الحجاب، وسنخضع ونهجع..لكنه إذا لم يفعل..فليرحم الإسلام من المزايدة والتعصب والتطرف...)

   ونرد فنقول:إن الكاتب مصِرٌّ على التركيز على الطفلة في المرحلة الابتدائية مع أن القرار لم ينص على توحيد الزي لطالبات الابتدائية فقط بل شمل جميع الطالبات في المراحل الثلاث..ولا أفهم لماذا يستدل الكاتب على كلامه بدليل ظاهر البطلان؟؟

   ثم يقول الكاتب:(....ولهؤلاء الذين قالوا إن وراء هذا القرار من يحارب الإسلام أخبرهم إلى أنه زميل للدكتور محمد محجوب في مجلس الوزراء(..)، وبالمناسبة لماذا لم يدافع د.المحجوب عن د.حسين كامل بهاء الدين؟ أم أنه يظن بالفعل أن قراره مخالف للشريعة؟..) ولن أعلق على هذا الكلام تاركاً الحكم للقارئ ولكنني سوف أذكركم بما قلته من قبل وهو أن الوزير قد أخطأ عندما اعتبر أن الأساس في المجتمع هو خلع الحجاب وأن الحجاب هو الاستثناء.

   ثم يقول الكاتب: [أما ندوة (قتل العلماء) فاذكرهم أن ارتداء فتاة للحجاب ليس في حاجة إلى وزير الداخلية (وليه يتعب اللواء حسن الألفي) إنه فقط في حاجة إلى إقرار من والدها].

   ونرد فنقول:

1. أطلق الكاتب على الندوة اسم(ندوة قتل العلماء) ولن نعلق على هذه التسمية لأننا لا نريد الدخول في سخافات أخرى.

2. إن ارتداء الفتاة للحجاب في حاجة إلى وزارة الداخلية حقاً، ولكن ليس للسبب الذي ذكره الكاتب وإنما لسببين آخرين:

   الأول:أن غالبية مديري المدارس خاصة في الصعيد لم يطلبوا هذا الإقرار من أولياء أمور المحجبات بسبب اقتناعهم بسخافة القرار وحرصاً على عدم إثارة مشاكل.

   الثاني: أن قرار الزي الموحد نفسه لم يطبق إلا فترة قليلة من الزمن، ونذكر مثالاً على ذلك وهو ما شاهدته بنفسي في مدرسة الثانوية العسكرية بسوهاج وهي المدرسة التي اشتهرت في المحافظة كلها بانضباطها، هذه المدرسة لم يطبق بها قرار الزي الموحد إلا لمدة شهرين حل بعدها الشتـاء، وأبيح لبس (بلوفر) ملون، وبعد ذلك نسي القرار ولم يجرؤ أحد على المطالبة به من جديد، وحلت السنة الجديدة والقرار في خبر كان.

   أما في مدارس البنات بالمحافظة،فقد اهتم المديرون بالزي من حيث الشكل واللون ولم يضعوا اعتباراً لفقرة الحجاب، بمعنى أن قرار الوزير قد طبق جزئياً ولفترة محدودة ثم ضرب به عرض الحائط، وهذه هي عادة المصريين الذين لا يضعون اعتباراً أي قرار ما لم يتم تنفيذه (بالكرباج)، ولذا فأنا أرى أن ارتداء البنت للحجاب لم ولن يحتاج إلى وزارة الداخلية ولكن تنفيذ القرار هو الذي يحتاج إلى وزارة الداخلية التي (طلعت روحها) من هذا الشعب العنيد المناكف.

   بعد ذلك يتوجه الكاتب إلى نقطة أخرى فيتساءل: هل هناك عقوبة دنيويَّة أو حد دنيوي على خلع الحجاب؟ ويقول في هامش الكتاب إنه قد سئل تعقيباً على هذا الرأي: وهل هناك حد دنيوي على الكذب؟ ويرد على هذا السؤال بقوله:نعم هناك حد دنيوي على الكذب إذا كان في مجال شهادة زور أو كان تزويراً أو كان قذفاً و تشهيراً للناس وللمحصنات. أما فيما يخص الضرر الاجتماعي في نظر البعض من التبرج وهو ما يتطلب التعزير من الحاكم، فهـو شأن الحاكم إذا قبل هذا المبدأ أن يعزر ومن ثم فالموضوع كله دنيوي ومرتبط بمفاهيم العصر والدنيا فقط.

   ونرد فنقول: يبدو أن الأستاذ إبراهيم عيسى يهوى لعبة اسمها المغالطة وخلط الأوراق، فالكذب في حد ذاته لا حـد دنيوي له... ولكن  لو  ترتب  على  هذا الكذب ضرر بَيِّن كشهادة الزور أو قذف المحصنات أو...فإنه عندئذٍ يكون هناك حد على هذا المترتب (وليس على الكذب في حد ذاته)، كذلك الحجاب،فالحجاب ليس هناك حد دنيوي على خلعه، ولكن لو ترتب على خلعه حدوث فاحشة مبينة من زنى ونحوه كانت هناك عقوبة دنيوية على هذا المترتب (والزنى لا يمكن أن يتم في وجود الحجاب..وحتى لو فرضنا أن امرأة محجبة زنت فإنها لحظة الزنى لم تكن محجبة...) أي أن الحد يكون على المترتب وليس على خلع الحجاب في ذاته، أما لو خرجت الفتاة من بيتها عارية ولم يعترض الحاكم فلا حد..مع أنه حرام.

   وأود هنا أن (أزنق) الكاتب في (مزنق) وأقول:

   إن الصوم ركن من أركان الإسلام..فهل هناك حد على عدم الصوم؟ والأمر بالمعروف فرض..فهل هناك حد على تركه؟ وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر..فهل هناك حد على هذا العمل؟

   ثم يقول الكاتب إن مجلد (فقه السنة) لم يذكر حداً على خلع الحجاب وإنما اكتفى بذكر الوقع السيئ للتبرج على المجتمع،وأقول له: إذن فأنت تعترف أن هناك ضرر اجتماعي للتبرج وخلع الحجاب....ولكن الكاتب يرد وكأنه يقرأ أفكاري فيقول: "إذن-وهو خلاصة الأمر كله-إن الزي والشكل ليس أساساً ولا قاعدة للإسلام، وأن ضرره-إذا كان هناك ضرر اجتماعي أو إنساني في نظر البعض-ليس ضرراً يستدعي موقفاً لإيقافه أو الحد منه..كما أن الأمر كله خالص لله"

   ونرد فنقول:إن الأمر فعلاً خالص لله،وليس لنا أن نقف لمحاربة غير المحجبات بالسيوف لأنه لم يرد في خلع الحجاب حد.. ولكنني أؤكد أن قلة من علماء الدين هم الذين تعاملوا بقسوة وعنف مع غير المحجبات ، أما أغلبهم فقد اتجه إلى دعوة البنات إلى الحجـاب بالحكمة والموعظة الحسنة .

   أما بالنسبة للضرر الذي يحدثه التبرج،فهو ضرر جسيم لا يتحمل هذه الاستهانة من الكاتب،ونحن ندعو البنات إلى حجاب سليم لا تبرج فيه من أجل حماية شبابنا من ضرر الفتنة الخطير.

   والدليل على ما نقوله من ضرر التبرج على المجتمع هو قول الرسـول المصطفى الكريم S الذي قال فيه إن أخوف ما يخاف على رجال هذه الأمة من نسائها....فإذا ما صلحت النساء والتزمن بالحجاب والعفة معاً اختفت الفتنة أو كادت وصلح الشباب رجالاً ونساءً، أما لو حدث العكس فسوف يحدث العكس، وقد أدرك الأعداء هذه الحقيقة، فعملوا جاهدين على إخراج الفتاة المسلمة من بيتها وحجابها ووقارها وعفتها، وانساق بعض الكتاب والمثقفين من بلادنا لأفكار الغرب تحت اسم المدنية والتقدم وكأن المدنية لا تتحقق إلا بالخلاعة والفجور والاختلاط.

   ثم يقول الكاتب إنه ما كان لأحد أن يضع نفسه بين الإنسان وربه..وأقول له إن أحداً من علماء المسلمين (ما عدا المتطرفين وهم قلة معروفة) لم يفعل ذلك.

   ثم يقول الكاتب إن دين الإسلام دين الرحمة والتسامح وأنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه وأن القاعدة هي التسامح والمرفوض هو التنطع،وأقول له إن معنى التسامح لا يعني السماح بانتشار المعاصي والمنكرات، فعلى الأقل علينا أن نحاربها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

   ثم يستدل الكاتب على كلامه بمقولة للإمام علي بن أبي طالب نوردها بنصها وهي قول الأمام:"إن الفقيه حقاً من لم يقنط الناس من رحمة الله،ولم يرخِّص لهم في معاص الله تعالى،ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها"

   ونقول للكاتب: إذا كنت قد أتيت بهذا الأثر لتؤيد كلامك واعتمدت على قول الإمام علي:"إن الفقيه حقاً من لم يقنط الناس من رحمة الله" فلماذا إذن خالفت قول الإمام في نفس الأثر إذ يقول:"....ولم يرخص لهم في معاص الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره..."؟ لماذا خالفت قول الإمام وقمت ترخص بالمعصية وخلع الحجاب (أو على الأقل تهون من شأن الحجاب وتقلل قيمته وأهميته) مع أنه معصية بنص القرآن والسنة وإجماع العلماء؟

   ثم من الذي قال إن علماء الدين يقنطون الناس من رحمة الله؟ على العكس تماماً يا سيدي..فعلماء الدين يبشرون الناس برحمة الله إذا ما فعلوا ما يأمرهم الله به (والحجاب من هذه الأوامر) ومع ذلك فلم يجزم أحد منهم بالنار للعصاة أو لغير المحجبات-سوى جماعات التطرف بالطبع-وإنما يدعو علماء المسلمين الله دائماً أن يرحم المسلمين مطيعهم وعاصيهم وأن يهديهم إلى سواء السبيل.. فقد جاء علماء المسلمين مبشرين لا منفرين، ومنذرين لا مقنطين، تماماً كالأنبياء لأن العلماء ورثة الأنبياء.

   وفي ختام الكتاب يقول الكاتب:"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالإيمان....يارب" ونقول معه:"آمين يارب"

   وبعد أن وفقنا الكاتب في تفنيد كل ما ورد بالكتاب والرد عليه، لا يسعنا إلا أن نرد على اسم الكتاب نفسه، فقد أسمى المؤلف كتابه"فصل الخطاب في ارتداء الحجاب" ربما من أجل جذب القراء...مع أن كتابه لم يتضمن فصلاً لأي خطاب في مسألة الحجاب، وبالتالي أعتقد أن اسم الكتاب غير ملائم وأقترح أن يغير اسمه إلى أحد الأسماء التالية والتي احتوى الكتاب بالفعل على معانيها سواء قصد الكاتب لهذه المعاني أم لم يقصد، وهذه الأسماء المقترحة هي:

1.   إثارة الشكوك والشبهات حول موضوع ارتداء الحجاب.

2.   الحجاب والتطرف..وجهان لعملة واحدة.

3.   الصلات الوطيدة بين الحجاب والتطرف.

4.   الحجاب في قفص الاتهام.

5.   إلى كل محجبة..تحرري من التبعية للتيارات المتطرفة التي جعلتك تتحجبين.

6.   سماحة الإسلام وخلع الحجاب.

7.   لا يوجد حجاب في الإسلام.

8.   الإرهاب والسنية..ما الفرق؟

   وفي  الختام  أود  أن  أعبر  عن  شكري  للكاتب، وفي نفس الوقت عتابي له.... فشكري له  لأنه  حاول  في كتابه هذا محاربة الإرهاب الذي نسعى جميعاً لمحاربته، وعتابي له لأنه أخطأ الوسيلة واعتقد أن محاربة الحجاب هي محاربة التطرف، وأقول له: إن محاربة التطرف لا تتم عن طريق محاربة الإسلام وشرائعه ومظاهره، بل على العكس، إن محاربة فروض الدين وسننه (مثل الحجاب وإطلاق اللحى والسواك وغيرها ) تزيد من عنف المتطرفين وتشددهم بل وتجعل الشباب الحائرين يميلون إلى المتطرفين عندما يعتقدون أنهم هم المسلمون الحقيقيون وذلك عندما يرون أمثالك يهجمون على فروض وسنن ومظاهر الدين..

   لا يا سيدي..إن ما تفعله يزيد الطين بلة..

   فالتطرف يحارب بالإسلام..الإسلام الحقيقي الصافي..

   وإذا كنت أنت ترى أن المتطرفين ينشرون الحجاب لتحقيق أغراضهم فانشر أنت الحجاب السليم الذي لا تشدد ولا تنطع فيه..بدلاً من محاربة الحجاب ككل..

   انشر الإسلام السليم في عقول الناس وقلوبهم حتى يتبين لهم مدى تطرف المتطرفين وزيفهم وضلالهم، وعندها فقط سيضمحل الإرهاب ويختفي من أرضنا الحبيبة مصر..